السيد هادي الخسروشاهي

141

قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة

يومئذٍ فقه فارسي ولا فقه روماني ولا فقه يوناني ، على كثرة ما دخل بلاد المسلمين من علوم هذه الأمم وثقافاتهم ، وعلى ما عهد في المسلمين من ترحيب بالنافع من هذه العلوم والثقافات ، وتلقّيه بسماحة وحسن قبول . ثم جاءت بعد ذلك طبقات من المقلّدين والمتعصّبين للمذاهب ، كلّت هممهم عن حمل ما كان يحمله سلفهم من العلم والنظر ، وصادف ذلك عهود الضعف السياسي وانقسام الأمة الإسلامية إلى دويلات صغيرة لا تربطها رابطة ، ولاتجمعها جامعة ، ومن شأن الضعف السياسي - إذا أصيبت به أمة - أن يخيّل إلى أبنائها أنّهم أقلّ من سواهم قوةً ، وعلماً ، وتفكيراً ، وأن تركد معه ريح العلم ، ويفتر نشاط العلماء . بهذا وبغيره تأثّر أكثر المشتغلين بالفقه ، فحكموا على أنفسهم وعلى جميع أهل العلم في زمانهم بأنّهم ليسوا أهلًا للنظر والاستنباط ، ولا لفهم كتاب اللَّه وسنّة رسوله ، ومن ثم حكموا بإغلاق باب الاجتهاد ، وترتّب على ذلك أن وقف الفقه وجمد ، وأن تعصّب كلٌّ منهم لرأي أمامٍ ، وزعم أنّه الحقّ وأنّ ما سواه باطل ، وأسرفوا في ذلك إسرافاً بعيداً حتى كان منهم من لا يصلّي وراء إمام يخالفه في مذهبه ومن لا يزوّج ابنته لفلان ، أو يتردّد في أكل ذبيحة فلان ، أو في قبول قضاء فلان ، لمجرد أنّه يخالفه في المذهب ! ثم حصروا الأئمة الذين أوجبوا اتّباعهم في عدد معيّن ، وهكذا ضاق أُفق الأتباع والأشياع عمّا اتّسع له أُفق المتبوعين ، وضاقت بهم دائرة الفقه الإسلامي ، وركدت ريحه ، وصوح نباته ، وقلّت ثمراته ، وكان من آثار ذلك أن خرج كثير من البلاد الإسلامية عن هذا الفقه عامة ، والتمسوا فقهاً آخر في هذه القوانين الوضعية يحكمون به ، ويجعلونه نظامهم في القضاء والتشريع والمعاملات ، التمسوا فقهاً لم يتقيّد بهذه القيود الطارئة ، ولم يحدّ بهذه الحدود المصنوعة ، ومن ثم رأينا القذى في العيون ، والشجى في الحلوق حين رأينا أُمم الإسلام تحكم في بلادها بغير فقه الإسلام ومنهاج الإسلام . ولكنّا قد استطعنا في عهدنا الحاضر - ونرجو أن يكون ذلك أُولى الخُطى في