السيد هادي الخسروشاهي
139
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة
بالقوى ، فهدى الناس في العقيدة إلى كلمة سواء ، هي كلمة اللَّه التي بعث بها كلّ رسول ، وأنزل بها كلّ كتاب ، وبيّن لهم شريعة الحكمة والرحمة والصلاح . وأساس هذا الدين هو القرآن الكريم والسنّة المطهّرة ، بهما تقرّرت عقائده وأصوله ، ومنهما استنبطت قواعده وأحكامه ، وإليهما يرجع المسلمون في كلّ شأن من شؤون دينهم ودنياهم . تلقّى المسلمون الأولون هذا الدين كما أنزله اللَّه ، والتفّوا حوله يعتقدون عقيدته ، ويدرسون شريعته ، ويمضون على سنّته وطريقته ، فما كان من نصّ ظاهر واضح في دلالته ، قاطع في معناه ، اجتمعوا عليه ، ونزلوا على حكمه متوافقين ، وما كان محلّ نظر وتأمّل اعملوا فيه عقولهم واجتهدوا فيه بقدر وسعهم في دائرة الأصول التشريعية ، والمقاصد التي أرشد إليها كتاب اللَّه وسنّة رسوله ، فإذا شجر بينهم خلاف عالجوه بالحجّة والاقناع ولم يتجاوزوا به دائرة العلم والبحث ، ولم يسمحوا له - مهما تباعدت وجهات النظر فيه - أن يقطع ما بينهم من الأواصر ، أو يفسد ما أصلحه اللَّه من القلوب ، بل كانوا يتبادلون الثقة والمحبّة والاحترام ، وربّما سأل بعضهم بعضاً عن دليله أو مدركه على ما يقول ، فإذا لقّنه واستراح إليه سارع إلى إعلان قبوله والرضى عنه غير مستكبر على الحقّ ، ولا متعنّت في الخطاب . هكذا كان شأن الأمة الإسلامية في أولها ، ثم عدت عليها بعد ذلك عوادٍ جعلتها تتفرّق فرقاً وتقسّم طوائف وشيعاً ، وابتدأت هذه الانقسامات بأواخر عهد الراشدين ، ثم ما زالت السياسة والحرب الأهلية تغذيها وتنفخ في نارها حتّى تمخّضت البلاد الإسلامية عن فرقٍ شتّى ، وتشعّبت كلّ فرقة إلى شعب ، وكان هذا هو الأساس الأوّل لما عاناه وما يزال يعانيه المسلمون إلى الآن ، من تفرّق وتنازع ، وتقاطع وتدابر . وقد كانت المساجد والمجامع والمجالس أندية رأي ونقاش وجدل ، ذهبوا فيها مع الحرية الفكرية والنشاط العقلي إلى مدى بعيد جعلهم يخوضون حتّى فيما نهوا