السيد هادي الخسروشاهي

132

قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة

أن يتعصّب لنفسه أو لمذهبه في هذه القضية الأساسية ، وأجلّ من أن يكتم السلطان ما يجب عليه من النصح له وللمسلمين وإن فوّت عليه هذا النصح ما قد يحرص عليه كثير من الناس . إنّ مالكاً قد أرجع المسألة إلى أصلها ، ولم ينظر إلى أواخر الأمر في هذا الخلاف بين علماء الشريعة ، وإنّما نظر إلى أوائله ، فهذا الخلاف في أصله ليس صادراً عن الهوى والتعصّب ، ولكنّه صادر عن أصول الشريعة وأدلّتها التي يجب على المسلمين أن يعوّلوا عليها في معرفة دينهم ، والتعبّد بما شرّعه اللَّه لهم . فالقرآن الكريم الذي هو المصدر الأوّل والأعظم للمسلمين ، قد نزل بأسلوب كان من رحمة اللَّه وفضله على خلقه أنّه جاء قاطعاً في أصول العقائد ، ومالا يتغيّر بتغيّر الأزمان والأحوال ، محتملًا في كثير ممّا وراء ذلك من الأمور والأحكام ، فكان ذلك من أول أسباب الخلاف تبعاً لاختلاف الأفهام ، وقواعد النظر ، وتقدير العلل والمصالح . والسنّة المطهّرة لم تكن قد دوّنت ، وإنّما اعتمد الناس على روايات تلقّوها عمّن حفظها ووعاها ، وكثير من هذه الروايات عن فعلٍ فعله الرسول ، أو قولٍ قاله ، وربّما حفّ بهذا الفعل أو بهذا القول قرائن وظروف تساعد على فهمه ، وربّما خلا من ذلك ، وقد تأتي الرواية من طريقٍ بلفظٍ غير ما جاءت به من طريقٍ آخر ، وقد تبلغ الرواية هذا العالم أو هذا البلد ، ولا تبلغ غيرهما ، إلى غير ذلك ممّا كان ذا أثر ظاهر في الخلاف . وقد اختلفت كذلك القواعد التي استنبطها العلماء لفهم الكتاب والسنّة ، والأدلّة التي رأى بعضهم أنّها تقيّد حكم اللَّه ، ورأي غيره أنّ كتاب اللَّه وسنّة رسوله مغنيان عنها . هذا على وجه الإجمال ، هو مادعا إلى اختلاف العلماء ، وهذا هو ما قضت به الحكمة الإلهية ، ولو شاء اللَّه لجاءت أحكام الشريعة ومسائلها جميعاً على نمط واحد ، ولكن اللَّه جلّ جلاله علم أنّ أمر الناس لا يصلح على ذلك ، فلا يصلح في