السيد هادي الخسروشاهي
104
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة
الفصل الرابع : حياة كلّها هجرة يذكّرني شهر الحج بالهجرة ، لأنّ المسلمين يهاجرون فيه إلى مكة ، ولأنّ مكة - في نظري - هي رمز الهجرة ، فأول من نزل بقعتها مهاجر ، وأول من تفجّر له الماء في أرضها مهاجر ، وأول من رفع قواعد البيت فيها مهاجر ، « وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ » « 1 » » . والرابطة قوية بين هجرة المسلمين إلى مكة ، وهجرة الرسول منها ، فمكة التي تتّسع اليوم لمئات الآلاف من الحجيج ، لم تتّسع بالأمس لرسول اللَّه وصحبه - على قلّة عددهم - وضاقت بهم ذرعاً . والنفس تألف الحديث عن الهجرة لما فيه من لذّة وسمو ، ولأنّ الإنسان يألف الهجرة من طول ما تلازمه ، فحياته سلسلة من الهجرات الطبيعية ، ففي بطن أمه يهاجر من النطفة إلى العلقة إلى المضغة ، إلى نهاية أطوار تكوينه السبعة المعروفة . ثم يخرج إلى الدنيا ، فيتنقّل من منزل إلى منزل ، ويهاجر من طور إلى طور . ويتّفق الفلاسفة والعرفاء والطبيعيون على حدوث هذه الهجرة وإن اختلفت نظرتهم إليها ، وتسميتهم إياها .
--> ( 1 ) . البقرة : 127