عبد الفتاح عبد المقصود

96

في نور محمد فاطمه الزهراء

التي أزهر نَوْرها ، وطاب ثمرها ، وضرب جذرها في الأرض إلى أعمق الأعماق ، فإذا أصلها ثابت وفرعاها في السماء ، وإذا هي - بغصنيها الغضّين هذين - تزيد نضرةً إلى نضرة ، ونماءً إلى نماء . فما أكثر ما أغصنت هذه الدوحة ، ولكن أين لها بالتحامٍ كهذا الالتحام ؟ ولم يكن أيضاً مَسْلاة « 1 » طفولةٍ بريئةٍ ، جمعت الاثنين على لعبةٍ أو ضحكةٍ ، كما يجتمع عادةً أمثالهما من الصغار . * * * كلّا ، لم يكن لقاؤهما القدري واحداً من هذه اللقاءات دون سواه ، ولا كان ، فقط كلّ هذه اللقاءات ، بل كان لقاءً لبقاء ، لقاء بداية ونهاية ، لقاء سبيل وغاية ، لقاء مسير ومصير . * * * معالم القرب التي تشهدها الأعين الرانية ، ومشاهد الصلة التي تلحظها الأذهان الألمعية ، ودواعي التآلف التي تستشفّها المشاعر المرهفة ، جميعها وأمثالها من مظاهر الارتباط بين الصغيرين ، لم تكن سوى صور مادية إنسية ، يدركها إمعان النظر وإرهاف السمع ، أو يهمس بها هجس النفس وحدس الظنّ ، ثم لا تزيد مقدار ذرّة عن قشرة رقيقة لا تكاد تخفي جوهر الحقيقة . فمن وراء إنسية اللقاء كانت قدسية اللقاء ، ومن وراء كثافة المادية كان شفيف النورانية ، والأرواح تتخالف وتفترق ، وتتآلف وتتّفق ، فما تجانب منها تجافى واختلف ، وما تجاذب منها تصافى وائتلف . ومنذ أومأ القدر ، تلك الجمعة من جمادى الآخرة ، إلى مولد فاطمة كبشير يُمنٍ وبركةٍ على قومها قريش - باتّفاقهم بعد خصام ، والتئامهم بعد تصدّع على وضع الحجر الأسود موضعه من الكعبة - تبدّت غرّة الصلة الروحية بينها وبين ترب

--> ( 1 ) . المسلاة : الموضع الذي تكثر فيه التسلية للأطفال .