عبد الفتاح عبد المقصود

86

في نور محمد فاطمه الزهراء

الرائقتين كأنّهما خطوط رشيقة من الظلال رسمها قلم عبقري ، ومدّها لُمَع ذلك البرق يشعّ من وراء الجفون . لأنفها الأقنى شمم « 1 » ، شمخ به إلى السماء . في شعرها الفاحم المسترسل السبط ، ظلام الليل ، وانسياب الماء ، ونعومة النسيم . أنفاسها عبير . وعندما تطلّع إليها أبوها ، كان كمن ينظر في مرآةٍ ، كانت بضعةً منه : بالدم ، بالهيئة ، باللون ، بالقسمات ، بالإجمال وبالتفصيل ، كانت أشبه به إذ هو الأب الذي ولدها ، وكان أشبه بها كأنّها الأم التي ولدته ! كانته وهو صغير ، كانت هو ، وكان هي . ولم يكن تماثلهما هذا صورة مرّت بخياله كصدىً لإحساسه العاطفي نحو الوليدة ، بل قد كان تعبيراً صادقاً على لسان الحال ، لا يخفى عن لمح النظرة الخاطفة ، ولا ينبو « 2 » به التمعّن المستأنى فضلًا عن اندفاق الشعور الفيّاض . * * * ليس وحده من رأى هذا التشاكل الذي يذهب في التطابق إلى حدّ التوحّد والانفراد ، كلّ من في الدار امتلأت عيونهم بالتشابه العجيب : أُم أيمن حاضنته ، لحظته منذ لحظة الميلاد ، زيد مولاه رآه رأي يقين ، خديجة أخذ منها البصر والفؤاد ، فازدهاها الفرح والفخر أن شهدت في صغيرتها زوجها الحبيب ، ربيبهما الطفل « علي » لم يفته التماثل المثير . بل الأولى أن يكون الشبه على هذا النحو المتميّز ، قد حرّك من مكامن الدهشة في نفسه ما جعله يقلّب البصر بين ابن عمه وبين الصغيرة ، لا يكاد يردّ عنهما عينيه ، كأنّما ينظر فيمعن في اجتلاءٍ هو التأمّل ، وفي تساؤلٍ ينضح بالحيرة .

--> ( 1 ) . أقنى الأنف : إذا ارتفع وسط قصبته وضاق منخراه ، والشَمَم : ارتفاع القصبة مع حسن واستواء . ( 2 ) . ينبو : يتجافى ويتباعد .