عبد الفتاح عبد المقصود
70
في نور محمد فاطمه الزهراء
السيدة الفضلى كانت تحسّ هذا كلّه ، ثم لا تملك إلّاأن تلمح من خلاله طيف زوجها زين الشباب : عبداللَّه . فلو أنّه بقي حتّى الآن ! لو أنّه لم يَغْدُ مجرّد صورة في معرض الذكريات ! لو أنّ قدره أمهله ليكونوا ثلاثة ! لكنّه لم يعش معها غير وقت قصير ، يحسب بالأيام ولا يكاد بالشهور ، قضى وهو في مثل عمر الزهور ، مات بعيداً عنها ، غريب الدار . فلعلّ عينيها ، وهما تطلّان عليه من شرفه الذكرى ، حيث ثوى هناك في ثرى « يثرب » قد تندّتا ، وغشّت تألّقهما غيمة ضباب . لعلّ تطلق محيّاها ببشراها قد شابته ظلال ، لعلّ قطرات تحدّرت « 1 » على جانبي وجهها المشرق ، لتمزج بسمة الفرح بعبسة قلب محزون ، لعلّ واعيتها « 2 » أخذت تلوك ما كانت أرسلته ، من بضعة أشهر ، دموعاً مسموعةً ، ترثي بها زوجها الحبيب . بل لعلّ شفتيها راحتا تسرّان لنفسها بكلمات من تلكم المرثية ، في همس صامت ، وبخفوت كأنّه سكوت ، فلا يصل أُذنيها من نواحها نبس ، ولا من ندبها جرس ، وإن كان صدرها لينشقّ ، وكلماتها هذه تضرب بعنف على أوتار قلبها الجريح « 3 » : « عفا جانبُ البَطْحاءِ من آل هاشمِ « 4 » * وجاوَرَ لَحْداً خارجاً في الغَمائمِ « 5 » . دَعَتْه المنايا دَعْوةً فأجابَها * وما تَركَتْ في الناس مِثْلَ ابن هاشمِ .
--> ( 1 ) . تحدّرت وتحادرت : نزلت وهبطت . ( 2 ) . الواعية : الحافظة . ( 3 ) . الأبيات من الطويل ، ينقلها طبقات ابن سعد 1 : 100 ، سبل الهدى والرشاد 1 : 332 ، سمط النجوم العوالي 1 : 298 . ( 4 ) . في المصادر : « ابن هاشم » . ( 5 ) . في المصادر : « الغَماغم » .