عبد الفتاح عبد المقصود

62

في نور محمد فاطمه الزهراء

أولئك الذين احتكموا إليه في وضع الحجر ، كان بينهم - بلا ريب - من رأوا فيه . بنظرة البداهة المشرقة والحسّ الشفيف والفطرة السليمة ، ذلك الموعود بهداية الجنس البشري كافّةً إلى طريق الإيمان . وكان بينهم أيضاً من أنسوا ، في بعض الظواهر الطبيعية والحدثية التي توالت على الدنيا - قبيل ميلاده وفي أعقابه - دلالات تومئ إليه بإصبع ثابتة ، لا تخطئ الإيماء . وكان بينهم من كادوا يجاوزون مجال التوسّم « 1 » والإحساس إلى دائرة التثبّت والاستيقان ، لأنّهم قرأوا وسمعوا ووعوا أنّهم يعيشون في زمان ترقّب وانتظار ، وهيّأتهم ملكاتهم النفسية وقدراتهم الروحانية للإيمان بوعد الواعد ، فلا حاجة إذاً بهم إلى التردّد في التصديق بمجيء الموعود . * * * وها هي مرادات الإيماء ، ها هي المعالم الهادية مرفوعة كالأعلام . ها هي الإشارت ، ها هي عجائب وخوارق ونبوءات . ها هي آيات ، وكم من آيات ! كم من بشارات كانت للزمن طليعة ، وراحت تتقدّم الأحداث والوقائع ، وتسبق الظروف والصروف ، تعلن للعالمين عن هذا الآتي من وراء الغيوب ! آونةً بعد آونة كانت تلمع في أُفق الدنيا لمع البرق بين كسف « 2 » السحاب ، تارةً فتارة كانت تهلّ إهلال المعتمر بالتلبية استجابةً لنداء اللَّه ، مرّةً مرة كانت تترى « 3 » ، مبيّنة عن إقباله ، مواكبة مراحل حياته ، مرحلةً تلو مرحلة ، إذ هو نطفة ، فجنين ، فوليد ، فرضيع ، ففطيم ، فطفل ، فصبي ، فغلام ، ففتىً ، فشاب متين البنيان صليب العود . * * *

--> ( 1 ) . التوسّم : التفرّس . ( 2 ) . الكِسَف والأكساف والكُسُوف : القطع من الشيء . ( 3 ) . تترى : أي متتابعاً .