عبد الفتاح عبد المقصود

60

في نور محمد فاطمه الزهراء

وساعة ألّف محمد بين قومه ، ذلك اليوم المشهود ، عند الكعبة ، في بيت اللَّه ، فبدّلهم أمناً بخوف ، وإخاءً بعداء ، ووحدةً بفُرقة ، وسلماً بحرب ، وبقاءً بهلاك ، إنّما كان عندئذ يسير إحدى خطواته المباركة في الطريق إلى اللَّه . كان يخضد « 1 » أشواك الشرّ ، كان يقتلع شجرة الظلام ، جذراً من بعد جذر ، كان يمهّد أرض البشرية لاستقبال بذور الخير ، كان يهمّ بإعادة بناء الإنسان على أساس جديد وطيد ، كان يتهيّأ لتأكيد حقيقة الواجد ، وحقّ الموجود . * * * وكَمَ شغله هذا الأمر ! كم أخذ عليه كيانه ! كم ملكه ، سكنةً وحركةً ، خفقةً وخلجةً ، عقلًا وجناناً ، حسّاً وعاطفةً ! أفلم يكن ببعض روحاته وجيئاته ، مع الوحدة والرمل والنجم والغيم والمجهول ، يستجيش مشاعره ويستجمع شعاث أفكاره ، ليطرق باب المغيب المستور ، واصلًا نهاره بليله ، وواصلًا ليله بنهاره ؟ أفلم يكن ، في إبّان تأمّلاته - وهو يتحنّث « 2 » بغار حرّاء ، قرب أُم القرى مكة - يحاول أن يعرف كيف يمكن أن تردم تلك الهوّة الواسعة التي حفرتها جهالات البشر ، وعمّقها فساد السرائر وعمى الضمائر ، حتّى غدت برزخاً لا يكاد يعبر بين اللَّه والإنسان ، وبين الإنسان والإنسان ؟ أفلم يكن ، في خلواته الروحانية هذه ، إنّما يستشعر فيشعر ، ويتأمّل فيأمل أن تُرفع عن بصر الإنسانية عصابة الأنانية التي تحجب عن البشر ضياء الهداية ، وتغشى أعين القلوب عن رؤية حكمة الحياة ؟ أفلم يكن - بروحه المحلّقة في ملكوت ربّه - يهفو إلى تحرير الناس من أثقال

--> ( 1 ) . خَضَد : كسر وقطع . ( 2 ) . يتحنّث : يتعبّد ، والحِنث : اعتزال الأصنام وترك عبادتها .