عبد الفتاح عبد المقصود

36

في نور محمد فاطمه الزهراء

هدم الكعبة وإعادة بنائها لَكَم هالهم فعله ! وكم حملقوا فيه مبهوتين ! وكم حاولوا أن يمنعوه ! لكن الذي شهدوه من صلابته ، وإصراره على إتمام ما شرع فيه ، ردّهم عمّا اعتزموه . وما لبثوا أن انفضّوا عنه وتركوه . ثم هامس بعضهم بعضاً يقولون ، وهم يلحظون الوليد من بعيد : نتربّص الليلة ثم ننظر ، فإن أصابه شرّ لم نهدم منها شيئاً ، ورددناها كما كانت ، وإن لم يصبه هدمنا وباتوا ليلتهم يحلمون بالويل والثبور . لكن النهار أسفر عن خير ، وأصبح الوليد غادياً إلى الكعبة ، والمعول بيمينه ، ليصل ما انقطع من عمل أمسه الذي انسدل « 1 » عليه ستر المساء . إذن نجا ! إذن لم يصبه سوء ! إذن تقشّعت « 2 » عنه وعنهم غواشي « 3 » العذاب المظنون ! والتفّت حوله العيون ، تطلّع القوم إليه دهشين . أول الأمر ، لم يصدّقوا المرأى ، ففركوا الجفون ، وكيف يصدقون ؟ ثم ثبتت عليه الأنظار ، ثم شدّت إليه تتبعه أينما سار ، ثم تألّق بها نور الأمان . ومن وراء الصدور كانت القلوب أعواداً ومزاهر وطنابير « 4 » . وكانت عروقها هي الأوتار ، وكانت الفرحة هي النشيد ، وعلى شموع بسماتهم المتألّقة رقصت كلماتهم فوق الشفاه . تهاتفوا من هنا ومن هناك : رضي ربّ الكعبة ! رضي صاحب الحرم ! رضي اللَّه ! * * *

--> ( 1 ) . سَدَل الثوبَ : إذا أرسله وأرخاه ، فتسدّل وانسدل . ( 2 ) . تقشَّعت : تفرّقت وانكشفت . ( 3 ) . الغواشي : جمع غاشية ، وهي الغطاء ، وكلّ ما يغشى الشيء ويغطّيه . ( 4 ) . المزاهر : جمع مِزْهَر ، وهي آلة طرب ذات عنق طويل ، ولها أوتار . وتسمّى بالطُنْبُور والطِنْبار أيضاً ، وهي آلة العود في وقتنا الحاضر .