عبد الفتاح عبد المقصود
34
في نور محمد فاطمه الزهراء
بعضهم ظنّ هذا ، آخرون ظنّوا ذاك . لكن أكثر الكثيرين كانوا مع الإبقاء على القائم إلى تلك الأيام من البيت الحرم ، على الهيئة التي خلّف الزمن من بنائه ، منذ عهد إبراهيم ، على نفس صورته الماثلة الآن للعيان : رسوماً دارسة « 1 » ، وآثار حطام . بلا تغيير ، ولا تعمير أرادوه ، بغير تبديل أو تعديل ، بغير ترميم أو تقويم . فهل عن وفاء لعراقة ماضية ، أم عن خشية من خفايا المجهول ؟ * * * وعندما اجتمع سادة القوم بمكة ذلك اليوم ، ليروا رأيهم فيما فعل طغيان السيل بحرم اللَّه ، تاه تفكيرهم في بوادي الشكوك والوساوس ، ومهامه « 2 » الأحداس والظنون . راحوا يتشاورون وكأنّهم لا يتشاورون ، يقولون ولا يكادون يقولون ، يلغطون « 3 » ولا يحسمون . الألسنة الحائرة تدور وتدور في الأفواه ، الشفاه المرتعشة ما أن تقترب من الآذان حتى تفترق الآذان عن الشفاه ، القلوب تجفّ في الصدور ، وتطفر إلى النحور ، العيون تنظر ولا ترى ، وهي تحملق « 4 » فيما وراء المنظور . بدا الجمع كأنّما يسيحون في خواء « 5 » ، يتعلّقون بالهواء . وبين حدّي القلق والفرق ، بين طرفي الاضطراب والارتهاب ، بين رحى هذين الشعورين ، توجّسوا « 6 » من شرٍّ غامض ، نازل بهم لا محالة لو أقدموا على نقض حجر
--> ( 1 ) . دَرَسَ الرسم واندرسَ : إذا عفا وانمحى وانطمس . ( 2 ) . المَهْمَه والمَهْمَة : جمعها مَهامِه ، وهي المفازات والبلاد المقفرة . ( 3 ) . اللَغَط : الصوت والجَلَبة الشديدة ، أو الصوت المبهم الذي لا يُفهم . ( 4 ) . تحملق : أي تنظر نظراً شديداً . ( 5 ) . الخَواء : الفراغ والعدم . ( 6 ) . تَوجَّس بالشيء : أي أحسّ به وهو خائف .