عبد الفتاح عبد المقصود

26

في نور محمد فاطمه الزهراء

كلّهم عاشوه بالأجساد والأرواح ، بالجوارح والمشاعر ، بالأوصال والأعصاب . في خلوتهم كان يخامر الأخيلة « 1 » والعقول ، في اجتماعهم كانت تلوكه الحلوق والأشداق « 2 » ، في رقادهم كانت تبثّه الرؤى والأحلام . في مناخ إبلهم كما في مساري قوافلهم ، في البيوت والمضارب كما في الطرقات والدروب ، في الآهل المعمور كما في البَلْقع « 3 » الخراب ، في بطن البلدة كما في البِطاح « 4 » . في كلّ مكان ، وفي كلّ جانب من مكان . بل السوامر « 5 » التي تضمّ الرفاق والندامى ، إبّان الليل ، على شرابٍ ولهو ، وتندّر وحديث ، لم تكن تخلو من شبح ذلك الخطر المستتر الماثل ، الذي يخايل النوظر ، ويخالط الخواطر ، ويغزو القلوب . * * * ولم يأخذ الأمس - أيّ أمسٍ تولّى - مارد الخط في ركابه عندما سار في رحلة المغيب ، فهذا المارد الجبّار كان يعود من جديد ، مع كلّ نهار ، كما كان يسبح في الظلمة كان أيضاً يسبح في النور ، كما كان يغرب في الليل كان يقبل مع الشروق ، كان دائماً يتعلّق بشعاع الشمس البازغة « 6 » ويجيء . * * *

--> ( 1 ) . يخامر : يخالط ، يقال : خامر القلبَ الخوفُ إذا داخله . والأَخْيِلَة : جمع الخيال ، وهو الظنّ والوهم . ( 2 ) . الأشداق : جمع شِدْق وشَدْق ، وهي زاوية الفم من باطن الخدّين ، وشِدق الوادي : ناحيته . ( 3 ) . الآهل : أي المأهول بالناس وغيرهم . والبَلْقَع والبَلْقَعَة : جمعها بلاقع ، وهي الأرض القفر ، يقال : أرض بَلْقع إذا كانت مقفرة وخالية من أحد . ( 4 ) . البِطاح والبطائح : جمع البَطحاء ، وهو مسيل كلّ وادٍ الذي يشتمل على الحصى الليّن والرمال الرقيق ، أي الشريف منه المرتفع ، ولذا قيل : قريش البِطاح ، أي الذين ينزلون أباطح مكة وبطحاءها . ( 5 ) . السوامر : جمع سامر ، وهو مجلس المتسامرين ، يقال : تسامر القوم إذا اجتمعوا وتحدّثوا ليلًا . ( 6 ) . بَزَغَت الشمس بَزْغاً وبُزُوغاً : إذا طلعت وأشرق نورها ، يقال : نجوم بوازغ أي طوالع .