عبد الفتاح عبد المقصود
114
في نور محمد فاطمه الزهراء
ولم تكن بنت عمرها الذي سجّلته الأيام ، بحساب السنين هي طفلة في الخامسة ، وبحساب الوقار هي سيدة في الخمسين . أحياناً كان ينعقد حاجباها كأن عن إمعان فكر وتأمّل حتّى ليُظنّ أنّهما لا ينفصلان ، أحياناً كانت تتغضّن « 1 » جبهتها فتمتلئ أخاديد وخطوطاً غائرة « 2 » تلوح كآثار وشم « 3 » الزمان ، أحياناً تترحّل بنفسها في الصمت ، كأنّها سهت عن دوافع طفولتها الريّانة ، ثم تمعن في السهو كأنّها ترهّبت للتأمّل ، ثم توغل في التأمّل كأنّها قد انسلخت عن دنيا الناس ، وغابت - روحاً وذهناً - في عوالم سحيقة من أسرار الغد الخفيّ ، ورؤى الغيب المستور . كانت لا تكاد تعرف حياة الأطفال ، تنزّهت عن العبث ، تجرّدت من الصغائر ، باعدت الهَذَر وسقط الحديث . كانت توجز في القول ، تسهب « 4 » في الصمت ، تتحرّك بمقدار ، إذا لعبت فبغير ضجّة ، إذا مشت فعلى هون ، إذا تكلّمت فبلا جلجلة « 5 » ، إذا ضحكت فبالابتسام . وأولئك الذين حسبوا أنّ ألوان هذا السلوك منها إنّما ترجع إلى عيبٍ في طبيعة خلقتها ، ونقصٍ في تكوين بنيتها الجسمانية ، أو إلى نضوب حيويتها ، أو إلى افتقارها النفسي إلى ما هو أولى بمثيلاتها الصغار من جنوح إلى مرح الطفولة ، المتمرّد - عادةً - على منطق الاعتدال ، كلّ أولاء كان لهم عذر حاضر قد يؤيّدهم فيه المشهود وإن هم أخطأوا - في الحقيقة - السداد . فلقد كانت حقّاً نحيلة القوام ، رقيقة الجسم ، خفيفة اللحم ، أَمْيَل إلى الهزال الذي
--> ( 1 ) . الغَضْن والغَضَن : كلّ تجعّدٍ وتثنٍّ في جلد أو ثوب ونحوهما . ( 2 ) . الغائر : ما يدخل في الشيء ، والغائرة مؤنثة . ( 3 ) . الوَشَم في اليد : الخطوط التي تحصل من غرز الإبرة في البدن وذرّ النيلج عليه ، وفي المجاز يقال : وشمالزمان . ( 4 ) . تسهب : تطيل . ( 5 ) . الجلجلة : صوت الرعد ، وهو كناية عن كلّ صوت شديد راعد .