عبد الفتاح عبد المقصود
108
في نور محمد فاطمه الزهراء
فساعة خطا الجيش أولى خطواته على أرض البلدة الطيّبة ، وانتشر سواده الكثيف في بياض النهار المشرق ، وتحرّك الفيل يقوده على الطريق إلى البيت العتيق ، انطلق عبد المطلب يسبق الغُزاة إلى حرم اللَّه . قلبه كلّه خشوع ، عيناه تفيضان بالدموع . نفحة قدسية من نفحات الإيمان هي التي كانت توجّه تفكيره وتهدي خطاه ، وفي سكينة وطمأنينة أخذ بحلقة باب الكعبة الغرّاء ، يدقّ بابها ، ونظره إلى السماء ، وعلى جرس الدقّات راح يستنصر اللَّه : لا هُمّ إنّ العبدَ يَمنعُ * رحَلْهُ فامنَعْ حلالَكْ لايغلبنّ صَليبُهُم * ومحالهُم أبداً محالِكْ جرّوا جموعَ بلادِهِم * والفيلَ كي يَسبُوا عيالَكْ إن كنتَ تاركَهُم * وقبلَتَنا فأمرٌ ما بَدَا لكْ « 1 » ثم مضى في ضراعته وابتهاله : يا ربّ . . . لا أرجو لهم سواكا * يا ربّ . . . فامنَعْ منهم حماكا إنّ عدوَّ البيت مَن عاداكا * امنعهم أن يخرّبوا فناكا * * * وصدقت مَلَكَة التوسّم والاستجلاء . استُجيب الدعاء ، حقّت على الطغاة المفتونين كلمة اللَّه . وهل كان سبحانه ليخلّي بينهم وبين حرمه الأمين ؟ هل كان تاركهم يعيثون في البلدة المقدّسة ، وإنّ فيها - على مرمى الحربة ، ومنزع السهم منهم - ذلك الوليد اليتيم الذي اجتباه ربّه ليكون هدىً ورحمةً للعالمين ؟ إن هي إلّاسُوَيْعَة أو سويعات حتّى ذهب أصحاب الفيل في الغابرين ، عاجلهم
--> ( 1 ) . الأبيات من الكامل ، ذكرها ابن سعد 1 : 92 ، وابن كثير الدمشقي في البداية 2 : 160 ، والعاصمي في سمط النجوم 1 : 274 باختلاف في بعض الألفاظ .