عبد الفتاح عبد المقصود

102

في نور محمد فاطمه الزهراء

أمّا أبو الحارث ، شيبة الحمد « عبد المطلب » فلم يكن على نفس هذا الغرار ، كما نبذ المنكرات أخذ بالمكرمات ، بل دعا القوم للنبذ وللأخذ ، ولم ينفرد وحده بهذا الناموس ، انتهى ونهى عن الزنا والخنا والفجور ، عفّ وأهاب بالتعفّف عن شرب الخمر ، امتنع ومنع من زواج المحارم ، أدان وأمر بالكفّ عن وَأد الموؤودة ، حرّم أن يطوف بالبيت عريان ، رأى قطع يد السارق جزاءً ما كسبت يداه ، ونكالًا وعبرةً لسواه ، أوفى وحثّ على الوفاء بالنذور ، ترفّع ونادى بالترفّع عن البغي والظلم ، وكان يقول : لن يخرج من الدنيا ظلوم حتّى ينتقم اللَّه منه . فلمّا قيل له عن ظالم مات قبل أن تصيبه عقوبة بظلمه ، ألهمته بصيرته المشرقة أن يجيب : واللَّه ، إنّ وراء هذه الدار لداراً يجزى فيها المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته . فكأنما - بهذا الذي كان يرتأيه - قد أُلقي في روعه بعض ما شرّعه الإسلام ، وجاء به بعد قليل حفيده النبي المختار . وهل من عجبٍ أن قد آتاه ربّه هذه الكرامة وإنّه للنقي الطهور الكريم ؟ * * * بل إنّه لكذاك ، فلقد ذكر أيضاً - وعلم الناس - أنّه كان قرين البركة ، صادق الرؤى ، مستنير البصيرة ، تكاد نفسه تشفي على الإلهام . وكيف لا وهو الذي كان ينقطع الليالي الطويلة عن دنيا زمنه متحنّثاً في غار حراء ؟ أكان يتعبّد بالحنفية دين إبراهيم ؟ أم كان يتأمّل ، كما تلهمه الفطرة السليمة ، في عظمة الخالق وهوان المخلوق ؟ أم كان يتابع بروحه وعقله شعاعاً من نور الحقيقة الواحدة ، انبثق له من بين ظلمة الجهالة الرانية حينذاك على قلوب البشر ، كانبثاق ومضة برقٍ من خلال غيمٍ كثيف ؟