السيد هادي الخسروشاهي

77

عبد الله بن سبأ بين الواقع والخيال

إنّ الثورة كانت في ذلك الحين لابدّ منها ، فنحن لا نحتاج إلى تعليل لظهورها ، إنّما نحتاج بالأحرى إلى تعليل فيما لو لم تحدث إذ ذاك ثورة أو فتنة » . ثم يضيف الوردي قائلًا : « يخيّل لي أنّ ابن سبأ الذي ينسب إليه تحريك الثورة كان وهماً من الأوهام ، كما قال الدكتور طه حسين . ويبدو أنّ هذه الشخصية العجيبة اختُرعت اختراعاً ، وقد اخترعها أُولئك الأغنياء الذين كانت الثورة موجّهة ضدّهم ، وهذا هو شأن الطبقات المترفة في كلّ مرحلة من مراحل التاريخ إزاء من يثور عليهم . فكلّ انتفاضة اجتماعية يعزوها أعداؤها إلى أجنبي ، وقد أشار إلى هذا البروفيسور « سمل » الباحث الاجتماعي المعروف . وممّا تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد أنّ محمداً نفسه اتّهمته قريش في بدء دعوته بأنّه كان يأخذ تعاليمه من غلام نصراني اسمه « جبر » . « 1 » واتّهمه بعضهم بعد ذلك بأنّه كان يتلقّى أفكاره من « بحيرا » الراهب و « سلمان الفارسي » وغيرهما « 2 » . إنّ كلّ مبدأ جديد يعزوه المترفون إلى تأثير نزعة أجنبية غريبة . حدث هذا - كما أبان البروفيسور سمل - في مختلف مراحل التاريخ » . « 3 » ويقول الدكتور الوردي أيضاً : « أرجع المؤرّخون السبب الأكبر في تلك الفتنة إلى عبداللَّه بن سبأ ، ذلك اليهودي الطارئ الذي دخل في الإسلام يريد الكيد له . الظاهر أنّ أصحاب الملكيات الكبيرة التي نشأت أيام عثمان ، هالهم ذلك التذمّر الذي انتشر بين الجمهور إزاء ثرواتهم المفرطة ، فنسبوا هذا التذمّر إلى شخص يهودي طارئ جاء يريد المكيدة بالإسلام وأهله ، وكأنّهم بذلك أرادوا تغطية السبب

--> ( 1 ) . وانظر حياة محمد ، محمد حسنين هيكل : 136 ط - القاهرة . ( 2 ) . وانظر شخصيات قلقة في الإسلام ، عبد الرحمان بدوي : 33 ط - القاهرة . ( 3 ) . وعّاظ السلاطين : 97 - 98 .