السيد هادي الخسروشاهي

54

عبد الله بن سبأ بين الواقع والخيال

معاوية فيما كان يقول من أنّ المال هو مال اللَّه ، وعلّمه أنّ الصواب أن يقول : إنّه مال المسلمين ! « 1 » ومن هذا التلقين ، إلى أن يقال : إنّه هو الذي لقّن أباذرّ مذهبه كلّه في نقد الأُمراء والأغنياء ، وتبشير الكانزين للذهب والفضة بمكاوٍ من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم . وما أعرف إسرافاً يشبه هذا الإسراف ، فما كان أبو ذرّ في حاجةٍ إلى طارئ محدث في الإسلام ليعلّمه أنّ للفقراء على الأغنياء حقوقاً ، وأنّ اللَّه يبشّر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل اللَّه بعذاب أليم . لم يكن أبو ذرّ بحاجةٍ إلى هذا الطارئ ليعلّمه هذه الحقائق الأولية من حقائق الإسلام ، وأبو ذرّ سبق الأنصار جميعاً ، وسبق كثيراً جداً من المهاجرين والأنصار إلى الإسلام ، وهو قد صحب النبي فأطال صحبته ، وحفظ القرآن فأحسن حفظه ، وروى السنّة فأتقن روايتها . فالذين يزعمون أنّ ابن سبأ قد اتّصل بأبي ذرّ ، فألقى إليه بعض مقاله ، يظلمون أنفسهم ويظلمون أبا ذرّ . والرواة يقولون : إنّ أبا ذرّ قال ذات يوم لعثمان بعد رجوعه من الشام إلى المدينة : لا ينبغي لمن أدّى الزكاة أن يكتفي بذلك حتّى يعطي السائل ، ويطعم الجائع ، وينفق من ماله في سبيل اللَّه ، وكان كعب الأحبار حاضر هذا الحديث ، فقال : من أدّى الفريضة فحسبه ! فغضب أبو ذرّ ، وقال لكعب : يا بن اليهودي ! ما أنت وهذا ؟ أتعلّمنا ديننا ؟ ! ثم وجأه بمحجنه . فأبو ذرّ ينكر على كعب الأحبار أن يعلّمه دينه ، بل أن يتدخل في أمور المسلمين حتّى بإبداء الرأي ، مع أنّ كعب الأحبار مسلم ، أبعد عهداً بالإسلام من ابن سبأ ، وكان مجاوراً في المدينة ، يصبح ويمسي بين أصحاب النبي ، وكان معاشراً لعمر وعثمان ، ثم لا يتحرّج من أن يتلقّى من عبداللَّه بن سبأ أصلًا من أصول

--> ( 1 ) . انظر تاريخ الطبري 3 : 378 ، ط - مؤسسة الأعلمي - بيروت ، 1418 ه .