السيد هادي الخسروشاهي

117

عبد الله بن سبأ بين الواقع والخيال

ويمكن أن تسجّل في هذا المضمار : أنّ قضية التقريب بين المذاهب الإسلامية تألّفت في الأُفق الإسلامي عامةً بعد النهضة الإصلاحية التوحيدية التي تضافرت عليها جهود المجاهد العالم المثابر السيد جمال الدين الحسيني الأسد آبادي المعروف بالأفغاني « 1 » ، والعالم الأزهري المتنوّر الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية ، حيث استطاعت أن تحقّق بدعم كبار مراجع الشيعة والشخصيات السنّيةالمتفتّحة انعطافة حاسمة في تاريخ العلاقات بين المسلمين ، وأن تصيب موجات التعصّب الجاهلي بضربات في الصميم ، وتحقّق مكاسب في هذا السبيل . يقول أُستاذنا في التفسير والفلسفة ، العلّامة السيد محمد حسين الطباطبائي صاحب التأليف القيّم « الميزان في تفسير القرآن » في هذا الجانب : « ليس ثمة شكّ في رجحان الاتحاد أو التقريب الإسلامي من وجهة نظر العقل والمنطق . طبيعي أنّ عوامل التفرقة عملت ما استطاعت في فصل هاتين الطائفتين الإسلاميتين الكبيرتين عن بعضهما البعض ، ولكن علينا أن نتذكّر دائماً أنّ اختلافهما هو في الفروع ، وليس ثمّة اختلاف بينهما في الأُصول ، بل هما على اتّفاق في فروع الدين الضرورية ، من قبيل الصلاة والصوم والحجّ والجهاد وغير ذلك ، والجميع يجتمعون على إله واحد ، ونبي واحد ، وقرآن واحد ، وقبلة واحدة . تأسيساً على هذا الأصل ، نجد أنّ شيعة الصدر الأول لم يعتزلوا أبداً صفّ الأكثرية ، ولم يبخلوا بمساهمتهم مع عامة المسلمين في تقويم المسار الإسلامي العام ، بل بذلوا الجهد والنصيحة في هذا السبيل . ولأنّ على المسلمين أيضاً أن يعودوا إلى أنفسهم ، آخذين بنظر الاعتبار اتّفاقهم على أُصول الإسلام ، وما تجرّعوه من ضغوط في هذه الفترة من قبل العناصر الخارجة عليهم ، أن يكونوا في صفٍّ واحدٍ ، وأن يتخلّوا عن التفرقة عملياً .

--> ( 1 ) . انظر : الآثار الكاملة لجمال الدين الحسيني ( الأفغاني ) في 9 مجلّدات ، إعداد وتقديم سيد هاديخسروشاهي ، ط - القاهرة ، مكتبة الشروق الدولية عام 1422 ه .