علي أحمدي ( تعريب : عبد الحسن نجفي بهبهاني )

152

سيد قطب

--> - والمُلابسات الإنسانية في أخصب بِقاع الأرض وأكثرها حضارةً في ذلك الزمان . والمدّ الإسلامي لم يقف عند الحدود التي وصلت إليها فتوحاته العسكرية ، فلقد امتدّت الموجة الفكرية والحضارة التي كوّنها إلى ما وراء حدود العالم الإسلامي قطعاً . ولا بدّ من دراسة آثار هذا المدّ فيما وراء هذه الحدود ، دراستها طرداً وعكساً في حياة العالم الإسلامي ذاته ، وفي حياة العالم كلّه . لقد أخذ هذا العالم من الإسلام وأعطى ، وقد تأثّر به وأثّر فيه . ودراسة هذه التفاعلات في ضوء المنهج الذي صوّرنا خصائصه كفيلة بأن تنشِئ صورة للعالم الإنساني وخطواته الحيّة مختلفة قليلًا أو كثيراً عن الصورة التي اعتاد الغربيّون أن يرسموها ، والتي اعتدنا نحن أن نراها ! ثمّ يجيء دور ( انحسار المدّ الإسلامي ) ، وعلى ضوء هذا المنهج وضوء دراسة المراحل التاريخية السالفة يمكن أن نتبيّن أسباب هذا الانحسار وعوامله الداخلية والخارجية جميعاً . كم من هذه العوامل من طبيعة العقيدة الإسلامية والنظام الإسلامي ؟ هل كان هذا الانحسار شاملًا أم جزئياً ؟ وسطحياً أم عميقاً ؟ وما أثر هذا الانحسار في خطّ سير التاريخ ، وفي تكييفه أحوال البشر ، وفي قواعد التكفير والسلوك ، وفي العاقلات الدولية والإنسانية ؟ وما وزن الأفكار والنظم والعقائد التي استحدثتها الإنسانية بالقياس إلى نظائرها في الإسلام ؟ وماذا كسبت البشرية ، وماذا خسرت من وراء انحسار المدّ الإسلامي وظهور هذا المدّ الأُوربي الذي لا تزال تظّللنا بقاياه ؟ ومن ثمّ يصبح الحديث عن ( العالم الإسلامي اليوم ) طبيعياً وفي أوانه وقائماً على أُسسه الواضحة الصريحة ، وليس حديثاً تُمليه العاطفة أو التعصّب من هذا الجانب أو ذاك . ويصبح التاريخ الإنساني في ضوء منهجنا الخاصّ مسلسل الحلقات متشابك الأواصر ، ويتحدّد دور الإسلام في هذا التاريخ في الماضي وفي الحاضر ، وتتبيّن خطوطه في المستقبل على ضوء الماضي والحاضر . وثمّة ما يؤكّد عليه سيّد بعد استعراض التقسيمات المقترحة : « إنّ دراسة من هذا الطراز وعلى هذا النسق لن يكون من برنامجها تناول الحوادث التاريخية بالتسلسل الحرفي والتفصيل الوافي ، فوظيفتها الأساسية أشبه شيء بوظيفة الخطّ البياني يُشير ولا يُحصي ، ويُرشد ولا يستقصي . وبعبارة أُخرى : أنّ وظيفة دراسة من هذا النوع هي محاولة إيجاد عقلية -