علي أحمدي ( تعريب : عبد الحسن نجفي بهبهاني )
149
سيد قطب
--> - تصويرها لنظام الحكم وسياسة المال وطرق التشريع ووسائل التنفيذ . . إلخ . وهي كلّها من مقوّمات الحياة وبالتالي من مقوّمات التاريخ لهذه الحياة . إنّ المعارك الحربية والمعاهدات السياسية والاحتكاكات الدولية وما إليها ، ممّا يُعنى به التاريخ غالباً أكثر من سواه ، إنّها كلّها محكومة بعوامل أُخرى هي التي يجب أن تبرز عند كتابة التاريخ ، هذه العوامل هي التي يختلف الباحثون في إدراكها وتقديرها ، كلّ يخضع للفلسفة التي تسيطر على تفكيره وتقديره ، أيّ : لطريقة إدراكه للحياة في عمومها ، وللباحث المسلم مِزية هنا في دراسة الحياة الإسلامية ؛ لأنّ طريقة إدراكه للحياة تمتّ بصلة إلى حقيقة هذه العوامل المؤثّرة في سير التاريخ ، ومن ثَمّ فهو أقدر على التلبّس بها واستبطانها والاستجابةً لها استجابة كاملةً صحيحةً . وعلى ضوء إدراكه العقيدة الإسلامية وطريقة استجابة المسلمين لها ، يستطيع أن يَزِنَ دوافع الحياة الإسلامية في تلك الفترة التاريخية والقيم الإنسانية الكامنة فيها وأسباب النصر والهزيمة في كلّ خطوة ، وأن يتصوّر الحياة الظاهرة والباطنة لتلك الجماعات الإنسانية في مهد الإسلام الأوّل وفي البلاد التي ينساح فيها ، فيضمّ إلى الجوانب الظاهرة التي لا يدرك الغربيّون سواها في الغالب كلّ الجوانب الروحية الخفيّة التي يعدّها الإسلام واقعاً من الواقع ويحسب لها حسابها في سير الزمان وتشكّل الحياة في كلّ زمان ومكان . ولمّا كانت الحياة الإسلامية فترة من الحياة البشرية ، والمسلمون جماعة من بني الإنسان في حيّزٍ من الزمان والمكان ، والإسلام رسالة كونية بشرية غير محدودة بالزمان والمكان ، فإنّ التاريخ الإسلامي لا يمكن فصله من التاريخ الإنساني . وقد تأثّرت تلك الفترة من غير شكّ بتجارب البشرية كلّها من قبل ، وبخاصّة تلك العوامل التي كانت واقعة عند مولد الإسلام ، ثمّ أثّرت بدورها في تجارب البشرية من بعد ، وبخاصّة تلك الجهات التي امتدّت إليها أو جاورتها . فلا بدّ إذاً عند كتابة التاريخ الإسلامي من الإلمام بالصورة التي انتهت إليها تجارب الإنسانية قبيل مولد الإسلام ، والحالة التي صارت إليها المجتمعات البشرية في الأرض ، وبخاصّة من ناحية العقائد الدينية وسائر ما يتعلّق بها من أفكار وفلسفات ونظريات ، ومن ناحية الأوضاع الاجتماعية وما يتعلّق بها من نظم الحكم وسياسة المال وعلاقات المجتمع والأخلاق والعادات والأفكار ؛ كي نتبيّن على ضوئها حقيقة دور الإسلام وطبيعته ، ويمكن -