علي أحمدي ( تعريب : عبد الحسن نجفي بهبهاني )
134
سيد قطب
--> - التي يقيم على أساسها وجود الأُمّة المسلمة ، إنّما يمضي على خطّته تلك . . فالعقيدة تتعلّق بأعلى ما في الإنسان من ( خصائص ) . إنّه لا يجعل هذه الآصرة هي النسب ، ولا اللغة ، ولا الأرض ، ولا الجنس ، ولا اللون ، ولا المصالح ، ولا المصير الأرضي المشترك ، فهذه كلّها أواصر يشترك فيها الحيوان مع الإنسان ، وهي أشبه شيء بأواصر القطيع . أمّا العقيدة التي تفسّر للإنسان وجوده ، ووجود هذا الكون من حوله ، ومصيره ومصير الكون من حوله ، وتردّه إلى كائن أعلى من هذه المادّة وأكبر وأسبق وأبقى ، فهي أمر آخر يتعلّق بروحه وإدراكه المميّز له من سائر الخلائق ، والذي يقرّر ( إنسانيته ) في أعلى مراتبها حيث يخلف وراءه سائر الخلائق . ثمّ إنّ هذه الآصرة - آصرة العقيدة والتصوّر والفكرة والمنهج - هي آصرة حرّة ، يملك الفرد الإنساني اختيارها بمحض إرادته الواعية . فأمّا أواصر القطيع تلك فهي مفروضة عليه فرضاً ، لم يخترها ، ولا حيلة له كذلك فيها . إنّه لا يملك تغيير نسبه الذي نمّاه ، ولا تغيير الجنس الذي تسلسل منه ، ولا تغيير اللون الذي وُلِدَ به . فهذه كلّها أُمور قد تقرّرت في حياته قبل أن يولد ، لم يكن له فيها اختيار . كذلك مولده في أرض بعينها ، ونطقه بلغة بعينها بحكم هذا المولد ، وارتباطه بمصالح مادّية معيّنة ومصير أرضي معيّن ، ما دامت هذه هي أواصر تجمعه مع غيره ، كلّها مسائل عسيرة التغيير ، ومجال ( الإرادة الحرّة ) فيها محدود . ومن أجل هذا كلّه لا يجعلها الإسلام هي آصرة التجمّع الإنساني . فأمّا العقيدة والتصوّر والفكرة والمنهج فهي مفتوحة دائماً للاختيار الإنساني ، ويملك في كلّ لحظة أن يعلن فيها اختياره ، وأن يقرّر التجمّع الذي يريد أن ينتمي إليه بكامل حرّيته ، فلا يقيّده في هذه الحالة قيد من لونه ، أو لغته ، أو جنسه ، أو نسبه ، أو الأرض التي وُلِد فيها ، أو المصالح المادّية التي تتحوّل بتحوّل التجمّع الذي يريده ويختاره . . وهنا كرامة الإنسان في التصوّر الإسلامي . ولقد كان من النتائج الواقعية الباهرة للمنهج الإسلامي في هذه القضية أن أصبح المجتمع المسلم مجتمعاً مفتوحاً لجميع الأجناس والأقوام والألوان واللغات ، وأن صبّت في بوتقة المجتمع الإسلامي خصائص الأجناس البشرية وكفاءاتها ، وانصهرت في هذه البوتقة وتمازجت وأنشأت مركّباً عضوياً فائقاً في فترة تُعَدّ نسيباً قصيرة ، وصنعت هذه الكتلة العجيبة المتجانسة المتناسقة حضارة رائعة ضخمة تحوي خُلاصة الطاقة البشرية في زمانها -