علي أحمدي ( تعريب : عبد الحسن نجفي بهبهاني )

132

سيد قطب

--> - الغايات وأشرف المقاصد ، ولا يسمح للغاية الشريفة أن تستخدم الوسيلة الخسيسة . . إنّ النفس الإنسانية وِحدة لا تتجزّأ ، ومتى استحلّت لنفسها وسيلة خسيسة فلا يمكن أن تظلّ محافظة على غاية شريفة . وليس مسلماً مَن يبرّر الوسيلة بالغاية ، فهذا المبدأ غريب على الحسّ الإسلامي ؛ لأنّه لا انفصال في تكوين النفس البشرية وعالمها بين الوسائل والغايات . . » . 7 - والقوّة المادّية ليست الحكم الأوّل والأخير في مصير أيّ صراع ، سواء بحسابات الكمّ أم النوع ، فإن هنالك في التفسير الإسلامي للتاريخ قوّة تفوقها وتسوقها في الوقت نفسه ، إنّها قوّة الإيمان ، توهّج الروح واستنارة الفكر ويقين الفؤاد . إنّ المنظور الإسلامي يكسر المعادلات التقليدية لتكافؤ القوى ، ويصنع معادلة من نوع جديد . . معادلة مركّبة من عدّة درجات ، لن يستطيع إدراكها والتعامل بمنطوقها إلّاالذين يصنعونها وينفّذونها . . لقد كان الفاتحون الروّاد بعض أُولئك الذين تيقّنتها نفوسهم ، كانوا في معظم الأحيان الأقلّ عدداً ، ولكنّهم كانوا في معظم الأحيان يخرجون منتصرين . وبدون إدراك هذا البُعد في ميدان الصراع لن يكون بمقدورنا أن نفسّر واحدة من أشدّ الظواهر التاريخية تأثيراً وتألّقاً واتّساعاً : ( الفتح الإسلامي ) . بينما في التفاسير الوضعية يبدو الرقم البسيط المجرّد هو الحَكَم الفصل في المصير ؛ ولهذا كثيراً ما تعجز عن تفسير ظواهر تاريخية كهذه ، فتلفّق لها الأسباب : ( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ * الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) [ سورة الأنفال 8 : 65 - 66 ] . « ويقف الفكر ليستعرض القوّة التي لا رادّ لها ولا معقّب عليها ، قوّة اللَّه القوي العزيز ، وأمامها تلك القوّة الضئيلة العاجزة الهزيلة التي تتصدّى لكتائب اللَّه ، فإذا الفرق شاسع والبَوْن بعيد ، وإذا هي معركة مضمونة العاقبة مقرّرة المصير . فأمّا تعليل هذا التفاوت فهو : ( بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ) ، فما صلة الفقه بالغلب في ظاهر الأمر ؟ إنّها صلة حقيقية قوية . إنّ الفئة المؤمنة إنّما تمتاز بأنّها تعرف طريقها ، وتفقه منهجها ، -