مجموعة مؤلفين ( اعداد : التسخيري )

69

رجالات التقريب

والمصالحة بين شخصين بالطرق العرفية ، والشفاعة ، والمساومة في البيع والشراء . ثانيها : ما سبيله سبيل التجارب والعادة الشخصية أو الاجتماعية ، كالذي ورد في شؤون الزراعة والطب ، وطول اللباس وقصره . ثالثها : ما سبيله التدبير الإنساني أخذا من الظروف الخاصة ، كتوزيع الجيوش على المواقع الحربية ، وتنظيم الصفوف في الموقعة الواحدة ، والكمون والكر والفر ، واختيار أماكن النزول ، وما إلى ذلك مما يعتمد على وحي الظروف والدربة الخاصة . وكل ما نقل من هذه الأنواع الثلاثة ليس شرعا ، يتعلق به طلب الفعل أو الترك ، وإنما هو من الشؤون البشرية التي ليس مسلك الرسول ( صلى الله عليه وآله ) فيها تشريعا ولا مصدر تشريع . رابعها : ما كان سبيله التشريع ، وهو على أقسام : أولًا : ما يصدر عن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) على وجه التبليغ بصفة أنه رسول ، كأن يبين مجملا في الكتاب ، أو يخصص عاما ، أو يقيد مطلقا ، أو يبين شأنا في العبادات ، أو الحلال والحرام ، أو العقائد والأخلاق ، أو شأنا متصلا بشيء مما ذكر . وهذا النوع تشريع عام إلى يوم القيامة ، فإن كان منهيا عنه اجتذبه كل إنسان بنفسه ، لا يتوقف في ذلك على شيء سوى العلم به والوصول إليه . ثانياً : ما يصدر عنه ( صلى الله عليه وآله ) بوصف الإمامة والرياسة العامة لجماعة المسلمين : كبعث الجيوش للقتال ، وصرف أموال بيت المال في جهاتها ، وجمعها من محالها ، وتولية القضاة والولاة ، وقسمة الغنائم ، وعقد المعاهدات ، وغير ذلك مما هو من شأن الإمامة والتدبير العام لمصلحة الجماعة . وحكم هذا أنه ليس تشريعا عاما ، فلا يجوز الإقدام عليه إلا بإذن الإمام ، وليس لأحد أن يفعل شيئا منه من تلقاء نفسه بحجة أن النبي فعله أو طلبه . ثالثاً : ما يصدر عنه ( صلى الله عليه وآله ) بوصف القضاء ، فإنه كما كان رسولا يبلغ الأحكام عن ربه ، ورئيسا عاما للمسلمين ينظم شؤونهم ويدبر سياستهم ، كان عليه الصلاة والسلام مع ذلك قاضيا يفصل في الدعاوي بالبينات ، أو الأيمان أو النكول . وحكم هذا كسابقه ، ليس تشريعا عاما ، حتى يجوز لأي إنسان أن يقدم عليه بناء على قضائه به وفصله فيه بحكم معين ، بين من حكم بينهم . بل يتقيد المكلف فيه بحكم الحاكم ، لأن الرسول تصرف بوصف القضاء ، ومن هذه الجهة لا يلزم المكلف إلا بقضاء مثله ، فمن كان له حق على آخر ، ويجحده ، وله عليه بينة فليس له أن يأخذ حقه إلا بحكم الحاكم ، لأن هذا هو الذي كان شأن أخذ الحقوق عند التجاحد على عهد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) . هذا ومن المفيد جدا معرفة الجهة التي صدر عنها التصرف ، وكثيرا ما تخفي فيما ينقل عنه