مجموعة مؤلفين ( اعداد : التسخيري )
52
رجالات التقريب
إبداعا مدنيا إنسانيا ، وجزءا من الاجتهادات البشرية المتطورة ، تقيمها الجماعة المؤمنة لتحقيق المقاصد الدينية والدنيوية « ومصدر إقامتها والسلطة السلطان فيها هو الأمة ، بشرط ألّا تخرج هذه السلطة ولا هذا السلطان عن الشريعة - التي هي بنود عقد وعهد الاستخلاف - فالأمة مستخلفة للّه ، والدولة مستخلفة عن الأمة . . وكلاهما : « الأمة » و « الدولة » . . محكومة سلطتهما بإطار الثوابت الشرعية . وبهذا التصور تميزت وتتميز الدولة الإسلامية عن دولة الكهانة الكنسية التي دمجت الدولة في الدين ، وغابت عنها الأمة . . وعن الدولة العلمانية ، التي فصلت بين الدولة والدين ، فغابت عنها الشريعة . . وعن هذا الأصل من أصول الفكر في مدرسة الإحياء الديني ، يقول الإمام محمد عبده : « ليس في الإسلام سلطة دينية ، سوى سلطة الموعظة الحسنة ، والدعوة إلى الخير والتنفير من الشر ، وهي سلطة خولها اللّه لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم ، كما خولها لأعلاهم يتناول بها من أدناهم . . أصل من أصول الإسلام - وما أجله من أصل - قلب السلطة الدينية والإتيان عليها من أساسها ، هدم الإسلام بناء تلك السلطة ومحا أثرها ، حتى لم يبق لها عند الجمهور من أهله اسم ولا رسم . ولم يدع الإسلام لأحد - بعد اللّه ورسوله - سلطانا على عقيدة أحد ولا سيطرة على إيمانه ، فليس في الإسلام ما يسمى عند قوم بالسلطة الدينية بوجه من الوجوه . . والإسلام يحدد أن الأمة ، أو نائب الأمة هو الذي ينصب الخليفة والأمة هي صاحبة الحق في السيطرة عليه ، تخلعه متى رأت ذلك من مصلحتها ، فهو حاكم مدني من جميع الوجوه . ولا يجوز لصحيح النظر أن يخلط الخليفة عند المسلمين بما يسميه الإفرنج « ثيوكراتيك » أي : سلطان إلهي . . وكذلك القاضي ، والمفتي ، وشيخ الإسلام . . لم يجعل الإسلام لهؤلاء أدنى سلطة على العقائد وتحرير الأحكام ، وكل سلطة تناولها واحد من هؤلاء فهي سلطة مدنية قدرها الشرع الإسلامي ، ولا يسوغ لواحد منهم أن يدعى حق السيطرة على إيمان أحد ، أو عبادته لربه ، أو ينازعه في طريقة نظره . إن الإيمان بالله يرفع الخضوع والاستعباد للرؤساء الذين استذلوا البشر بالسلطة الدينية ، وهي دعوى القداسة والوساطة عند اللّه ، ودعوى التشريع والقول على اللّه دون إذن اللّه ، أو السلطة الدنيوية وهي سلطة الملك والاستبداد ، فالمؤمن لا يرضى لنفسه أن يكون عبدا لبشر مثله للقب ديني أو دنيوي ، وقد أعزه اللّه بالإيمان ، وإنما أئمة الدين مبلغون لما شرعه اللّه ، وأئمة الدنيا منفذون لأحكام اللّه ، وإنما الخضوع الديني للّه ولشرعه لا لشخوصهم وألقابهم . . ومع هذا . . فالإسلام دين وشرع . . لم يدع ما لقيصر لقيصر ، بل كان من شأنه أن يحاسب قيصر على ماله ويأخذ على يده في عمله . . فكان الإسلام : كمالا للشخص ، وألفة في البيت ، ونظاما