مجموعة مؤلفين ( اعداد : التسخيري )

47

رجالات التقريب

الباذر . ولقد أشربت أنفس الأمة الانقياد إلى الدين ، حتى صار طبعا فيها ، فكل من طلب إصلاحها من غير طريق الدين فقد بذر بذرا غير صالح للتربة التي أودعه فيها فلا ينبت ، ويضيع تعبه ، ويخفق سعيه . وأكبر شاهد على ذلك ما شوهد من أثر التربية التي يسمونها أدبية ، من عهد محمد علي ( 1284 - 1265 ه - / 1770 - 1849 م ) إلى اليوم ، فإن المأخوذين بها لم يزدادوا إلا فساداً - وإن قيل إن لهم شيئا من المعلومات - فما لم تكن معارفهم العامة وآدابهم مبنية على أصول دينهم فلا أثرلها في نفوسهم . إن سبيل الدين ، لمريد الإصلاح في المسلمين ، سبيل لا مندوحة عنها ، فإن إتيانهم من طرق الأدب والحكمة العارية عن صبغة الدين ، يحوجه إلى إنشاء بناء جديد . . ليس عنده من مواده شيء ، ولا يسهل عليه أن يجد من عماله أحداً . . وإذا كان الدين كافلا بتهذيب الأخلاق ، وصلاح الأعمال ، وحمل النفوس على طلب السعادة من أبوابها ، ولأهله من الثقة فيه ما ليس لهم في غيره ، وهو حاضر لديهم ، والعناء في إرجاعهم إليه أخف من إحداث ما لا إلمام لهم به ، فلم العدول عنه إلى غيره ؟ » 4 - ورابع هذه الأصول هو الوسطية الإسلامية ذلك أن الجمود والتقليد ، إذا كان للغرب ، فهو تطرف يرى « الآخر الحضاري » ويعمى عن « الذات الحضارية » . . وإذا كان تقليدا لماضينا ، فهو تطرف يهاجر إلى التاريخ ، ويجهل الحاضر الذي نعيش فيه . . والوسطية الجامعة هي صيغة العدل والتوازن ، التي ميزت الإسلام وشريعته وحضارته ، عندما جمعت بين الأصول والفروع ، بين الثوابت والمتغيرات ، بين المنابع والمصاب ، بين الموروث الصالح والوافد النافع ؛ ولذلك كانت هذه الوسطية - لهذه الأمة الإسلامية - « جعلا » إليها : ( وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) . وفسرها الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بأنها العدل الذي يجمع - بالتوازن - عناصر الحق والصواب من الأطراف والمصادر المختلفة ، وأحيانا المتضادة ليؤلف بينها ، ويقيم منها سبيلا وموقفا وسطا وجامعا ، فقال ( صلى الله عليه وآله ) « الوسط : العدل ، جعلناكم أمة وسطا » رواه الإمام أحمد . . وعن هذا الأصل من أصول فكر مدرسة الإحياء والتجديد - الذي جعل الإسلام فطرة اللّه التي فطر الناس عليها - يقول الإمام محمد عبده : « ظهر الإسلام ، لا روحيا مجردا ، ولا جسديا جامدا ، بل إنسانيا وسطا بين ذلك ، آخذا من كلا القبيلين بنصيب ، فتوفر له من ملاءمة الفطرة