مجموعة مؤلفين ( اعداد : التسخيري )
43
رجالات التقريب
سبحانه وتعالى - بها على الإنسان ، تميزا له - كخليفة للّه - عن سائر المخلوقات ، وأيضاً لما يضعه هذا الجمود والتقليد من « فراغ فكري » حرصت وتحرص عليه فكريات التغريب والاستلاب الحضاري ، التي جاءت بلادنا في ركاب الغزوة « الإمبرالية » الغربية الحديثة ، كي تملأ - بدلًا من فكر الإسلام المتجدد - هذا الفرغ . لذلك ، كان نقد ورفض الجمود والتقليد ، أول الأصول الفكرية لمدرسة الإحياء والتجديد ؛ لأن هذا الأصل هو بمثابة تحطيم القيود التي تحول بين الأمة وبين الانعتاق من المأزق الحضاري الذي تردّت فيه ، والذي يمثل المتخلف الموروث أحد وجهي عملته ، بينما يمثل الاستلاب الفكري والحضاري الغربي الوجه الثاني لعملة هذا المأزق الحضاري . ولقد كان نقد ورفض مدرسة الإحياء والتجديد للجمود والتقليد عاما ومطلقا ، سواء أكان تقليدا للغرب وجمودا على فكرية التغريب ، وتقليداً لتجارب الأسلاف والتراث الموروث . ذلك « لأن المقلدين لتمدن الأمم الأخرى - ( كما يقول الأفغاني ) ليسوا أرباب تلك العلوم التي ينقلونها والتمدن الغربي هو - في الحقيقة - تمدن للبلاد التي نشأ فيها على نظام الطبيعة وسير الاجتماع الإنساني . . ولقد علمتنا التجارب ، أن المقلدين من كل أمة ، المنتحلين أطوار غيرها ، يكون فيها منافذ لتطرق الأعداء إليها . . وطلائع لجيوش الغالبين وأرباب الغارات يمهدون لهم السبيل ويفتحون لهم الأبواب ثم يثبتون أقدامهم « 1 » . فتقليد فكرية الحضارة يخلق « عملاء » لا « علماء » ، ذلك أن تميز حضارتنا الإسلامية المؤسس على تميز شريعتنا الإسلامية ، يباعد بين الحضارة الغربية المادية النفعية وبين أن تكون نموذجا في الإحياء والتجديد والنهوض ، فمدنية هذه الحضارة الأوربية - كما يقول الإمام محمد عبده - « هي مدنية الملك والسلطان ، مدنية الذهب والفضة ، مدنية الفخفخة والبهرج ، مدنية الختل والنفاق ، وحاكمها الأعلى هو « الجنيه » عند قوم ، والليرة عند قوم آخرين لا دخل للإنجيل في شيء من ذلك . . » ويقترب من هذا التقليد « للآخر الغربي » تقليد الأسلاف المسلمين ، والجمود على الموروث الحضاري الإسلامي ، فهو وإن لم يدخل في « العمالة » للحضارة الغازية إلا أنه يضع الفراغ الفكري الذي يتمدد فيه فكر « الأعداء » و « العملاء » . ولذلك كانت « سلفية الجمود على ظواهر النصوص كما يقول الإمام محمد عبده : أضيق عطنا وأحرج صدرا من المقلدين ، وهي وإن أنكرت كثيراً من البدع ، ونحَّت عن الدين كثيرا مما أضيف إليه وليس منه ، فإنها ترى وجوب الأخذ بما يفهم من لفظ « الوارد » والتقيد به دون التفات إلى ما تقتضيه الأصول التي قام عليها الدين واليها كانت الدعوة ، ولأجلها منحت النبوة ، فلم يكونوا
--> ( 1 ) - ( الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ) ج 3 ، ص 205 دراسة وتحقيق : د . محمد عمارة - طبعة القاهرة 1993 م .