مجموعة مؤلفين ( اعداد : التسخيري )

152

رجالات التقريب

وجدت محاولات الإلفة والتقارب ، وإن أخذت أشكالًا متعددة إلا أنّها تقوم على التقارب القائم على منطق الجدل والحوار الذي يتلخّص بمحاولة دراسة أسباب الاختلاف ، ووضع الأصول المشتركة للاتفاق للوصول إلى نتائج تجمع الأطراف على قبولها . ولا يعني أن تكون النتائج هذه من المسلمات لدى الأطراف المتنازعة وإنّما يمكن أن تكون خلاصة لما تهدف إليه هذه الاتجاهات ، حسبما يراها أصحابها . ويمكن أن تصنف على هذه الشاكلة : 1 - الاتجاه السياسي . حيث أنّ الجدل الطائفي يقوم بالأساس على عوامل الاختلاف الخارجي ( الواقع ) الذي يقود إلى تفسير النصوص ( النظرية ) حسبما يقتضي هذا الواقع تفسيرها . وليست هناك مشكلة أكبر من مشكلة السياسة والتنافس في الإدارة والسلطة . فقد تلازم الجدل الطائفي بالاختلاف السياسي ، كما ترافق التسامح الطائفي بحالة الهدنة السياسية خصوصاً بين الدول ، ومراكز القرار . وقد انعكست مظاهر هذا الاتجاه ، على المستوى الرسمي بمبادرة السلطان نادر شاه الأفشاري ( قتل سنة 1160 ه - / 1747 م ) لحل الخلاف السياسي بين دولته إيران ، والدولة العثمانية باللجوء إلى مدينة النجف الأشرف ، عاصمة العلم الشيعية ، وعقد مؤتمر كبير سنة 1156 ه - / 1743 م جمع فيه علماء الشيعة الذين استقدمهم من بلاده إلى العراق ، وعلماء السنة الذين رشحتهم السلطة العثمانية للمساههمة في هذا المؤتمر ، وإنجاحه . وبغض النظر عن النتائج التي توصل لها المؤتمرون أولا ، وعدم استمرار تحقق نجاح مثل هذه المبادرات الرسمية ، فإنّ هذه المحاولة بحد ذاتها تكشف بعمق أن العامل الطائفي هو من أفتك الأسلحة التي تساعد على إذكاء المبررات الطائفية في تعبئة الأطراف للتوصل إلى مقاصد بعيدة في السلطة والحكم وتغيير الأنظمة والحكام . 2 - الاتجاه القائم على التسامح الروحي . وقد ظهر من خلال التشكيلة التي حاول بعض أصحاب الطرق الصوفية من خلالها توحيد الفرق الإسلامية بالاعتماد على التسامح الروحي ، والتعالي على التصنيف العقائدي القائم على التعصب . ومن شروط أرباب هذه الطرق الاجتماع على محبة آل البيت ، واتخاذ شخصيّة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) مثالًا يحتذى به مقدّماً على الخلفاء الراشدين الثلاثة باعتبار سند حديث الغدير الذي يقرّون دلالاته ، مضافاً إلى جامعيته للحقائق الثلاثة ، الخلافة ، والوراثة ، والولاية . كما أدانوا في الوقت نفسه التعرّض إلى الصحابة ، أو الانتقاص منهم ، والتجرّؤ عليهم بأيّ شكل من أشكال الانتقاد . 3 - الاتجاه القائم على الحوار . ويُراد به التقارب القائم على الحوار الشخصي الذي يعتبر من أهم مظاهر تسوية النزاع القائم على الاختلاف العقائدي بين الفرق والملل والنحل .