مجموعة مؤلفين ( اعداد : التسخيري )

12

رجالات التقريب

أعتقد أن ما يدعم هذا الرأي هو أن أكثر روايات الشيعة كانت تجري على شكل سؤال من الأئمة ( عليهم السلام ) ويظهر أن سواد الناس لا يستطيعون أن يطرحوا تلك الأسئلة بما هي عليه من دقة ، فالسائلون كانوا من أهل العلم ، وكانوا يسمعون المسائل من فقهاء أهل السنة ، ويسألون الأئمة عنها . وكان الأستاذ يرى أن الرجوع إلى فتاوى أهل السنة من مقدمات الفقه . وكان يقول : « إنّ قدماءنا كانوا يحفظون مسائل الخلاف » . من هذا المنطلق ، قام لأوّل مرّة بطبع كتاب « الخلاف » للشيخ الطوسي مع حواش مختصرة . وكانت هذه السنّة الحسنة متداولة بين فقهائنا في الماضي حتى عصر الشهيد الثاني وما تلاه من عصور ، بيد أنها أهملت أو ضعفت في القرن أو القرنين الأخيرين تقريباً . وبعد شيوع منهج آية اللّه البروجردي ، أخذت مكانها ثانية في حوزة قم ، ثم في حوزة النجف تدريجاً . وكان الأستاذ يجلب معه أحياناً كتاب « الخلاف » للشيخ الطوسي في درس الفقه ، وكتاب « عُدّة الأصول » له في درس الأصول ، ويقرأ بعض مسائلهما ويناقشها ، ليمرّن طلابه على الرجوع إلى كتب قدماء الشيعة ، وكذلك الرجوع إلى فتاوى أهل السنة ، وكان يقول : « نقل قدماؤنا فتاوى أهل السنة في كتبهم ودروسهم ، وكانوا ينقدونها في أغلب الأوقات » . الروايات وأسلوب عرضها في الدرس كان آية اللّه البروجردي قلما يتمسك بالأصول العملية . بيد أنه كان يُبدي غاية الدقة والتأني في تمحيص الروايات واستنباط المسائل منها . وكان منهجه في التدريس هو أنّه يطرح المسألة ، ثم يعقبها بنقل أقوال المسلمين ، لا على سبيل الاستقصاء التام ، يتلو ذلك قراءة الروايات التي تحوم حول المسألة من كتاب ( وسائل الشيعة ) بنفس الترتيب ، وبعدها يناقش الأستاذ الحكم المستفاد من الروايات واحدة بعد الأخرى ، وكان يتحدث أحياناً عن سند الرواية والخلل الموجود فيها ، ثم يعود ثانية فيبوّب الروايات ويصنفها ، بعدها يناقش كلّ صنف منها . والذين لم يحيطوا علماً بمنهجه ، كانوا يتصورون وجود تكرار واجترار للمسائل . في حين أن المرة الأولى مخصوصة لمناقشة الروايات منفردة ، أما لمرة الثانية ، فهي مكرّسة لمناقشتها مجتمعة بسبب ملاحظتها . وفي هذه المرة ، كان الأستاذ يناقش روايات كلّ راو مجتمعة ، وغالباً كان يستنتج أن تلك الروايات تعود إلى رواية واحدة ، وقد روعيت هذه النقطة في ترتيب روايات كلّ باب ، كما سنذكر ذلك في شرح ميزات كتاب ( جامع الأحاديث ) فمثلًا صنفت روايات زرارة في باب واحد جنباً إلى جنب . وكان يقول : « هل تتصورون أنّ زرارة سأل الإمام عدة مرات وأجابه الإمام كذلك ؟ لا ، إنه سأل مرّة واحدة ، وأجابه الإمام مرّة واحدة أيضاً ، لكنّ الرواة اجتهدوا فأخرجوا تلك المسألة على ما نجده اليوم من كثرة الروايات » .