مجموعة مؤلفين ( اعداد : التسخيري )

110

رجالات التقريب

قلة أخرى ، لا تلد القرون منهم الا الواحد بعد الواحد ، ولايجيء الواحد إلى الوجود إلّا بعد فترة من تحكم الأهواء واستيلاء ( الخمول ) ، وسفه القيادة والبعد عن هداية الدين ، والجهل بأمور الدنيا وبالصلة الوثيقة بينها وبين الدين ، فانطماس المعالم المنصوبة والاعلام الهادية فيهما فيكون ظهوره تجديداً للدين والدنيا معا ، ودعوة للعزّة ، فيهما معا ، واصلاح لما أفسدته الغفلة منهما معا ، وريا لما تشعث من بنائهما معا ، ومن هذا القبيل جمال الدين . الخليون الفارغون من علماء القشور والرسوم بنظر الأفغاني ليس أي من هؤلاء عالما دينيا بالمعنى الذي يفهمونه من الدين ومن العالم الديني ، الذي هوعندهم حاكي أقوال وحافظ اصطلاحات وراوي حكايات ، ويجلس في حلقته فيفيض في الحلال والحرام وفي الزهد والرقائق بكلام مقطوع الصلة بالقلب ، مقصور على اللسان ، فهولا يؤثر ، ومن ثم فهومقصور على سمع السامع فهولا يتأثر ، وليس فيه الا قال فلان ، وقال فلان ، وليس منه : قلت ولا ارتأيت ، ولا فكرت ، حتى إذا فرغ كل شيء منه ، وخرج من الدرس فوجد البدع والمنكرات من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله فلا يهتز لها هزة الغضب ، ولا يتأثر لها تأثر المنكر ، بل يجاري البدع والمبتدعين ويكثِّر سوادهم ، ويكون حجة على الدين لا حجة له . اما أصحاب العقول المتدبرة ، والأفكار المثمرة ، والبصائر النيرة ، والموازين الصحيحة للرجال ، فإنهم يرون الأفغاني عالما أي عالم ، وفردا انطوى على عالم ، وحكيماً أي حكيم ، وأنه أحيى وظيفة العالم الديني وأعاد سيرتها الأولى . . . . . . لقد كان الأفغاني عالما شجاعا ، قوالا للحق جريئا فيه ، لا يخشى في كلمة الحق يقولها ولا في الحق يدعواليه لومة لائم ، وجميع الثغر التي اتينا منها فعلة العلل فيها آتية من سكوت علماء الدين وبعدهم عن شؤون المسلمين العامة . . وقد جزاه الله في الدنيا جزاءً عاجلًا ، فرزقه من التلامذة المستعدين نفخ فيهم من روحه ، ورباهم على مبادئه ، وكانوا من بعده حملة فكرته ، الشارحين لها بالعمل ، وحسبكم بالأستاذ الإمام محمد عبده . . لقد اقتحم جمال الدين هذا الميدان فكان حجة لبعض العلماء ، وحجة على بعضهم . . رحمه الله على جمال الدين جزاء لما قدمه للاسلام والمسلمين ، وكفاه ما سنّه للعلماء من أسس حسنة لم نزل نتقلب في أعطافها ، وندين له بالفضل فيها » . وعندما يستعرض الدكتور عمارة كلام البشير عن الامام جمال الدين ، يجل كلماته احتراما ويضيف : هكذا ميز الامام البشير بين « علماء الرسوم » الذين لاقلوب لهم ، ولا حكمة فيهم ، ولا شجاعة لديهم ، والذين رسم لهم الأفغاني صورة « كاريكاتورية » عندما وصف الواحد منهم بأنه « جبة كالخرج ، وعمامة كالبرج ، ورأس فارغة » ! ! . . ميز الامام البشير بين هذا الصنف من