الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
45
تحرير المجلة ( ط . ج )
ولعلّ حكمة التشريع في ذلك أنّ الشارع الحكيم حيث وجد المجّانيات محض تفضّل وإحسان وبذلا للمال بلا عوض أراد أن يعطي الواهب الباذل فسحة للروية ومجالا للتدبّر ، وربّما بدا له العدول بعد الإيجاب والقبول ، فلو لزم عليه بالقول وحده لكان ضيقا وحرجا عليه وتضييعا لماله ، لذلك لم يكتف بالقول حتّى يتبعه بالفعل ، أعني : الدفع من الباذل والقبض من المبذول له . ولو قيل : يكفي لهذا الغرض جعل العقد جائزا ، فيرجع متى شاء . قلنا : أليس الرجوع - بعد حصول الملكية - قبيحا شرعا ، كما هو كذلك عرفا ، و : « الراجع في هبته كالراجع في قيئه » « 1 » ؟ ! فدفعا لهذا القبح وهذه الحزازة لم يجعل العقد بنفسه مؤثّرا أصلا كي لا يحتاج إلى الرجوع كما في العقد الجائز ، فإن أقبض نفذ ، وإلّا فلا ، وهذا كلّه بخلاف عقود المعاوضات ؛ لمكان العوض فيها به بخلافه هنا ، فليتدبّر . وظهر - بما ذكرنا - أنّ حقّ التعبير في ( المجلّة ) أن تقول : لا تنعقد الهبة بالإيجاب والقبول قبل القبض ، أو ما يؤدّي ذلك . ( مادّة : 838 ) الإيجاب في الهبة هو : الألفاظ المستعملة في تمليك المال مجّانا ، كأكرمت ووهبت وأهديت « 2 » .
--> ( 1 ) ورد الحديث بلفظ : « العائد في هبته كالعائد في قيئه » في : مسند أحمد 1 : 217 ، 250 ، 291 ، 339 ، 342 ، 345 و 2 : 182 ، صحيح مسلم 3 : 1241 ، سنن ابن ماجة 2 : 797 ، سنن أبي داود 3 : 291 ، سنن الترمذي 3 : 592 ، سنن النسائي 6 : 266 و 267 ، السنن الكبرى للبيهقي 6 : 180 ، منحة المعبود 1 : 280 . ( 2 ) وردت زيادة كلمة : ( معنى ) قبل كلمة : ( تمليك ) ، كما أنّ للمادّة تكملة ، وتكملتها - على