عبد الرحيم اباذرى ( تعريب : عبد الحسن نجفي بهبهاني )
77
الشيخ محمد الغزالي
--> كأنّك أصبحت صديقاً أثيراً لديه . وكان يضنّ بوقته على اللغو ، فما تمرّ ثانية - ولا أقول : دقيقة - إلّاوهو يخدم الإسلام بكلمة أو توجيه أو عمل نافع أو دعاية لطيفة تربط بين القلوب . وذاكرة حسن البنّا كانت حديدية ، وكأنّها شريط مسجّل يستوعب الأسماء والمعاني ، فلو التقيت به وناقشت معه إحدى القضايا ، أو ذكرت له اسم إخوتك مثلًا ، ثمّ لقيته بعد ذلك ببضع سنين ، لبادرك بالسؤال عن إخوتك وناقشك في القضية التي طرحتها عليه منذ سنين ، واسترجع معك الحديث وكأنّه تمّ بالأمس القريب ! والحقّ أنّ الرجل كان يحبّ عن إخلاص لا عن تكلّف ، وربّما عانق عاملًا يلبس بدلة الشغل الملوّثة بشحوم الآلات وسوائلها ، فما يحجزه شيء من ذلك عن ترجمة حبّه . وحسن البنّا له عبقريات منوّعة يحتاج الكلام فيها إلى كتاب منفرد » . وفي خاتمة كتاب : « دستور الوحدة الثقافية للمسلمين » الذي شرح فيه الغزالي الأُصول العشرين للبنّا ، قال : « قد أُعطي نفسي الحقّ في مخالفة أيّ فكر ديني سابق أو لاحق ، ولكنّي لا أُعطيها أبداً حقّ الشذوذ أو الخروج على الإجماع . إنّني أُوثر السير مع الجماعة الكبرى ، وأُحبّ وحدة الصفّ والهدف ، وأرى أنّ الفرقة هزيمة وعذاب وشؤم ، وأرفض أن تكون القضايا الصغرى سبباً في تنافر الأفئدة ، وأُوصي أن نتشبّث بمعاقد الدين وعراه الوثقى ! إنّ ربّ العالمين يغتفر الصغائر إذا اجتنبت الكبائر ، فهلّا تعلّمنا من ذلك تجاوز الهنات إذا احترمت الأُمّهات ؟ ! إنّ التعاليم العشرين التي وضعها حسن البنّا ( رضوان اللَّه عليه ) تضمّنت خيراً كثيراً ، وألحقت جماعته بالركب الإسلامي الكبير ، ولم تُفردها بسمة شاذّة ، ولم تجعل منه رجلًا لطائفة منفصلة عن سواد الأُمّة . إنّه إمام بين عدد من الأئمّة الذين ظهروا خلال القرون الأربعة عشر يخدمون الكتاب والسنّة ، ويستمدّون شرفهم من الولاء المطلق للَّهورسوله ، والحفاوة المطلقة بكلّ من يلقون في هذا الميدان الطهور ، وإن اختلفت الملامح النفسية والفكرية . وقد تعلّمت من حسن البنّا الإنصاف للغير مهما خالف في الرأي . نعم ، عندما أُخالف أحداً في حكم ما فلا يجوز أن أُهمل ما لديه من صواب كثير ومواهب قد أفاءها اللَّه عليه . يجب أن -