عبد الرحيم اباذرى ( تعريب : عبد الحسن نجفي بهبهاني )
28
الشيخ محمد الغزالي
--> بالدين ولا يعملون به ، ولا يعملون له . ويلعن أُولئك الحكّام الذين يشاركون في المناسبات الدينية ، وأفئدتهم خراب من احترام شريعة اللَّه ، وآخرين يحتفلون بالمولد النبوي أو الإسراء أو الهجرة ، ولم تزل أفواههم رطبة من الخمر . الغزالي رجل دعوة مخلص لدعوته متجرّد لها ، ولهذا ينفذ كلامه إلى القلوب ، فيلهبها بمشاعر اليقين والحبّ ومعاني الإيمان والإحسان . وأشهد أنّي ما سمعت الغزالي إلّاتأثّرت به وتجاوبت معه ، وذلك لما لمست فيه طوال معايشتي له من صدق وتجرّد ، جعل صلاته ونسكه ومحياه ومماته للَّه ، أحسبه كذلك ، واللَّه حسيبه ، ولا أزكّيه على اللَّه عزّ وجلّ . عاش الشيخ للدعوة عمره ، وكانت هي أكبر همّه ومحور فكره وعمله ، ولم يلهث وراء مال أو جاه ، فجاءه المال والجاه بفضل من اللَّه تعالى وبركة الدعوة ، وهو دائماً يذكر ذلك ، ويذكّر به . لم يركض وراء المناصب التي يتهافت عليها كثيرون ممّن يلبسون لبوس أهل الدين ، وأحقّ ما يوصفون به ما جاء عن بعض السلف : ذباب طمع ، وفَراش نار ! ولقد عرض على الشيخ أكثر من مرّة أن ينضمّ إلى الحزب الحاكم ، وأن يرشّح على قائمته ، ونثرت أمامه الوعود ، ولوّح له بالمناصب التي ارتقى إليها من دونه علماً وعملًا ودعوةً وجهاداً وشهرةً ، وزاره أكثر من كبير من المسؤولين ، يحاولون أن يلينوا عريكته ، ويجرّوا رجله إلى القيد الذهبي البرّاق . ولكن اللَّه سدّد الشيخ وثبّته أمام كيدهم ، فلم تلن له قناة ، ولم يسل له لعاب ، وظلّ بعيداً عن مواكب الطبل والزمر ، فما يطيق الشيخ أن يسكت عن حقّ ، فكيف يراد له أن ينطق بالباطل ؟ ! إنّ لسان الشيخ لم يخلق ليهتف باسم مخلوق ، بل ليهتف باسم اللَّه وحده ، ذاكراً له ، وتالياً لكتابه ، وداعياً إلى دينه . . ويد الشيخ لم تخلق لتصفّق لزيد أو عمرو من الناس ، بل لتمسك بالقلم سلاحاً تشهره في وجوه الطواغيت ، وتنير بكلماته السبيل أمام طلّاب الهداية في تيه الضلالات ، وملتمسي النور في دنيا الظلمات . وقد أهّل الشيخَ للدعوة - بعد دراسته الأزهرية المتعمّقة - حفظه لكتاب اللَّه من الصبا ، وشغفه بالقراءة من الصغر ، حتّى إنّه ذكر عن طفولته أنّها كانت عادية ، وليس فيها شيء مثير ، وإن كان يميّزها حبّ القراءة . يقول : « فقد كنت أقرأ في كلّ شيء ، ولم يكن هناك علم معيّن يغلب -