عبد الرحيم اباذرى ( تعريب : عبد الحسن نجفي بهبهاني )
182
الشيخ محمد الغزالي
--> الجزاف والفوضى . في سورة البقرة ثلاث آيات مختلفة السياق والموضوع ، هي : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ البقرة : 179 ] . وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ [ البقرة : 197 ] . يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ [ البقرة : 269 ] . وللحكمة مواضعها الحميدة ، سواء في تبليغ الدعوة أو في إنفاق المال ، أو في أيّ شأن آخر . وفي سورة آل عمران آيتان : الأُولى : تتحدّث عن عصمة الفكر من البحث فيما وراء المادّة ؛ لأنّ هذا النوع من البحوث يقوم على التخمين والتوهّم . والثانية : تطلق العنان للفكر كي يبحث ويستنتج في المادّة وأسرارها وقوانينها وقيام اللَّه عليها وإحكامه لوجودها . قال تعالى في الموضوع الأوّل : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ [ آل عمران : 7 ] . أمّا الحثّ على التأمّل في الكون فهو في الموضع الثاني من السورة ، قال تعالى : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ [ آل عمران : 190 - 191 ] . ومعرفة الحقّ لا تكترث بالتقاليد السائدة ، ولا تتقيّد بالعرف الشائع ، إنّها بحث حرّ لا علاقة له بكثرة الأصوات أو قلّتها . والمغالاة بالحقّ مطلوبة في وجه المنكرين له أو النافرين منه مهما كثروا ، فهم كما قيل : إن شئت أن يسود ظنّك كلّه * فأجلهُ في هذا السواد الأعظم ! وذلك ما يشير إليه قوله تعالى : قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ المائدة : 100 ] . ولمعرفة التاريخ العامّ أثر عميق في صوغ العقل ونفعه بتجارب لا حصر لها ، فإنّ حاضر -