عبد الرحيم اباذرى ( تعريب : عبد الحسن نجفي بهبهاني )
163
الشيخ محمد الغزالي
--> قال صديق : لا تنس أنّ الرجل - من الناحية العلمية - متّهم بتجاوز أحاديث صحاح ، وهو اتّهام - لو صحّ - يسيء إلى مكانته ! قلت : نعم ، إنّ الذين يرفضون السنّة النبوية مصدراً للتشريع بعد القرآن الكريم أقرب إلى الكفر منهم إلى الإيمان ، وإذا كان رفضهم للمتواتر والآحاد جميعاً فهم كافرون يقيناً . . بيد أنّ هنا خلطاً مزعجاً ينبغي كشفه ، فإنّ جماهير أهل العلم تعترف بالسنّة جملة ، ويقوم لديها بعدئذٍ من الأسباب الوجيهة ما تردّ به حديثاً من مرويات الآحاد . والذين يفعلون ذلك لا يسمّون مكذّبين بالسنّة ، فإنّ ردّهم لهذا الحديث إنّما وقع لأنّهم يستبعدونه من السنّة المطهّرة ، كأنّهم يقولون عنه : هو موضوع ، أو فاقد لشرط من شروط القبول المقرّرة . وخصوم محمّد عبده يكادون يتّهمونه بالزيغ ؛ لأنّه رفض حديث سحر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، مع أنّه رفضه تعلّقاً بظاهر القرآن الكريم وإعلاءً لقدر المصطفى . وأخلص من هذا التطويل إلى أنّ اتّهام الرجل برفض السنّة كلّها - لأنّه اعترض أثراً محدّداً - جور شديد ، ومدرسة المنار شديدة الاحترام للسنّة ، ولكن القرآن عندها الدليل المقدّم ، ومن يعترض هذا ؟ قال الصديق : في كلامك وجهة نظر قد تقبل ، لكن ما لا يقبل تطويع القرآن لنظريات علمية أو مفاهيم حديثة ، إنّ تفسير الشيخ للملائكة وللطير الأبابيل لا مساغ له ! قلت : قد يكون تطرّف في تقريب المعاني من أذهان المعاصرين ، ولست ممّن يرتضون هذا المنهج ، غير أنّي أتساءل : لماذا يحسب عليه ذلك ، ولا يحسب له تفسيره القيّم النقي لآيات سورة الأحزاب في زواج بنت جحش ، وتفسيره الرائع لآيات سورة الحجّ : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [ الحجّ : 52 ] ؟ ! إنّ الرجل دمّر خرافة الغرانيق التي وجدت لها أسانيد عند بعض المحدّثين الكبار ، وذاد عن السيرة الشريفة أوهاماً تعكّر صفاءها ، وبدا من أُسلوبه في الاستدلال أنّه استدرك على بعض المحدّثين اهتمامهم بالسند وذهولهم عن المتن ، وأنّه رفض تقوية الفرع على حساب توهين الأصل . -