مهدي أحمدي

44

الشيخ محمد جواد مغنيه

--> - وبالأمس القريب اعترضت طريقي عجوز فقيرة ، وقالت : أنا ذاهبة إلى الحجّ ، وعندي من حق اللَّه 300 ليرة ، وأنت بها أولى وأدرى . . . قلت : لعلّك ضالّة عن الذين تريدين ، قالت : كلّا ، أنت الشيخ مغنيّة ، قلت لها ملاطفاً : عندي غير جبّتي هذه ثلاث جُبب ، وإذا أخذت منك ال 300 ليرة فسأشتري جبّة خامسة تفوق بأُبّهتها جبب الشيوخ مجتمعة ! أليس الأولى أن تنظري البائسين والمعوزين في بلدك ، وتوزّعين عليهم المبلغ ، على أن يكون نصفه للسادة الفقراء من نسل الرسول صلى الله عليه وآله والنصف الآخر لغيرهم من المحتاجين ؟ ! وإذا عرفت عاملًا يضيق كسبه عن عياله ، ويعجز عن تعليم أطفاله ، فادفعي عنه ثمن الكتب وقسط المدرسة . . . فاقتنعت وقالت : أفعل . المناصب الرسميّة : أجمع فقهاء المذاهب قولًا واحداً على أنّ التعاون مع الظالم الجائر من أعظم المحرّمات وأشدّها ، حاكماً كان أو غير حاكم . . . وأجاز كثير منهم أن يتولّى المرء أيّة وظيفة في حكومة الحاكم الجائر ، شريطة أن يقيم حقّاً أو يدفع باطلًا ، واستدلوا بالآية ( 55 ) من سورة يوسف : « قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ » وفي الحديث : « كفارة عمل السلطان قضاء حوائج الإخوان » ومع هذا ، فإنّ لعلماء الشيعة الإماميّة تقليداً ورثوه جيلًا عن جيل ، وهو أنّ ابن العلم والدين ينبغي له أن يبتعد عن كلّ منصب يسند إليه بمرسوم أو إذن من الدولة ، سواء أكان المنصب قضاءً أم إفتاءً أو رئاسة ( مجلس ملّي ) ، ومن يتولّى شيئاً من ذلك نظروا إليه بعين الاستخفاف . عُرضت رئاسة المحكمة الجعفرية بلبنان على الكبار من علماء الشيعة فاستنكفوا عنها ، وقبلها شيوخ من الدرجة الثانية أو الثالثة . ويتساءل المرء : ما دام الأمر كما ذكرت ، فلماذا تولّيت مركز القضاء ؟ الجواب : أجل ، كنت في غنىّ عن القضاء ، لو أنّي قبلت أن يتفضّل عليّ الآخرون ، أو أن أستسلم لعيش الكفاف ، ولكن أبت عليّ نفسي الاستجداء ، وطمحت إلى حياة أشرف وأرغد ، على أنّي لا أذمّ العاقبة ، للأُمور التالية : ( منها ) : شعوري بأنّ اللَّه سبحانه قد أرفق بي حين عجّل بإخراجي من القضاء قبل أن تصير -