مهدي أحمدي
29
الشيخ محمد جواد مغنيه
--> - يتقن الحوار والجدال ، ويفهم من يعارض رأيه بالأقيسة المنطقية والإلزامات العقلية ، أمّا التطبيق العملي وخدمة الحياة وحلّ مشاكلها فيأتي على الهامش ، بل لا وجود له . احتقر أفلاطون وأرسطو ومن على فلسفتهما العمل ونفروا منه ؛ لأنّه على أنواعه عار يختصّ بالعبيد ، والشريف من يحيا حياة الفراغ والبطالة . . . وإذن فلم يبق للعلم الأعلى أيّة ثمرة إلّامجرّد النظر والتفكير والتعمّق في التحليل ، وأيّة محاولة لاختيار صحّة الفكرة في عالم التطبيق والعمل فإنّها تهوي بالعلم إلى الأسفل . ومن جملة ما قرأت : أنّ المخترع في العصور القديمة كان يخفي مخترعاته حرصاً على أن يذكره الناس بأنّه عالم نظري لا عملي ؛ لأن العمل عيب من شؤون الأرقّاء . . . وأيضاً قرأت : أنّ أفلاطون غضب غضباً شديداً على عالم رياضي ؛ لأنّه طبّق ميكانيكياً مسألة هندسية نظرية ، وقال له : شوّهت جلال العلم ، وهبطت بالعقل إلى العمل الذليل ! وهذا يفسّر لنا انتشار الكسل والبطالة بين أبناء العلماء والأغوات . وقد أدركت ذلك وشاهدته . . وقيل لأحدهم - وهو من جبل عامل - : لماذا لا تعلّم أولادك ؟ قال : نحن نورّث المجد ولا نورّث العلم ! والمجد في مفهومه أنّه يأنف من عمل نفسه ، ويأكل من عمل غيره ! والآن قد ذهب عصر التجريد والترفّع عن العمل ، وجاء عصر المصانع والمعامل ، وأصبح العمل شعار الشرفاء ، بعد أن كان عنواناً للأرقّاء ، وصارت كلمة الكادحين اسماً للأحرار الذين يصنعون التقدّم والحضارة ، وآمن العلماء والفلاسفة في هذا العصر بأنّ أيّة فكرة لا تخدم الإنسان وترفع من حياته وتحلّ مشكلة من مشكلاته فهي مجرّد وهم وخيال . . وما دام كذلك فلماذا تصر النجف وقم على إبقاء ما كان في عصر الرقيق ؟ ! وبالمناسبة أُشير إلى أنّ أحد مراجع النجف في عهدي ألّف كتاباً في الفقه ، فانبرى له أكثر من واحد يجادله ، ويبرهن على صحّة الرأي المضاد له ، لا لشيء إلّاليثبت أنّه هو أيضاً من الراسخين في التحليل النظري الدقيق العميق ! يا سبحان اللَّه ! ولا يخفى أنّ المدارس والمعاهد تهتمّ بتلاميذها وتوجّههم للحصول على عمل وحياة أنقى وأكمل وأفضل بعد تخرّجه ونجاحه ، وتستخدم لذلك شتّى الأساليب تماماً برسوخه في المادّة التي يدرسها . . ولا أثر لهذا التوجيه في النجف وقم ، بل على العكس أنّ بعض الأساتذة - - يفسد عقل التلميذ بأساطير ما أنزل اللَّه بها من سلطان ، ويصرفه من غير قصد عن الحياة ومشكلاتها . ورأيت طالباً وأنا في قم يبرّر حرب الولايات المتّحدة في فيتنام ، بل ويتحمّس لها ضدّ الشعب الفيتنامي ! وأنا لا أعرف دخيلة هذا الطالب ، وأنّه منزّه عن الغرض بلا ريب . . وأظنّ أنّ الذي غرّر به هو سذاجة أُستاذه وإيمانه بأنّ الشعب في فيتنام لا يؤمن باللَّه ، فتجب إبادته ، جاهلًا بأنّ الظلم إثم كبير بشتّى أنواعه . وفي كتاب الكافي عن المعصوم : « إنّ اللَّه لا يدع ظلامة المظلومين وإن كانوا كفّاراً » ، « من أصبح لا يهمّ بظلم أحد غفر اللَّه له ما اجترم » . ومعنى هذا : أنّ كراهية الظلم والكفّ عنه حسنة لا تضرّ معها سيّئة إلّاالشرك ؛ للنصّ القاطع : « يا أبا ذرّ ، كف أذاك عن الناس ، فإنّه صدقة تتصدّق بها على نفسك » ، أي : أنّ مجرّد كفّ الأذى مع القدرة عليه فضيلة يثاب عليها المرء ويمدح . ( تجارب محمّد جواد مغنيّة بقلمه : 62 و 64 ) .