مهدي أحمدي
25
الشيخ محمد جواد مغنيه
يدخله العراق من دون جواز سفر ، وكان هذا السائق من الأرمن الذين هاجروا من لواء الإسكندرونة « 1 » إلى لبنان ، ذكره مغنيّة فيما بعد في كتابه « تجارب محمّد جواد مغنيّة » قائلًا : « وقد مضى على ذلك ستّين سنة ، ولكنّي ما زلت أذكر وأشكر هذا السائق على جميله ، ولن أنساه ما حييت ؛ لأنّه أوّل إنسان جعلني أشعر أنّ في هذه الحياة
--> - نحو الشرق مسامتاً لجدران البلدة ، حتّى إذا تجاوزتها وجدتني بانتظارك على الطريق خارج المدينة . سرت متسلّلًا متوارياً خلف المنازل والجدران ، وبينما أنا أسير اعترضتني قلعة تدمر الشهيرة ، فدهشت لمرآها ، ورحت أتأمّل عظمتها ، وأنتقل من جناح إلى جناح متعقّباً ، لا أكاد أُصدّق عيني متخيّلًا أنّي في حلم ، ذهلت عن كلّ شيء حتّى عن نفسي ، وقد رأيت عيناً نابعة في وسط القلعة ، فتذكّرت الصلاة ، وكان الوقت عصراً ، فتوضّأت من تلك العين ، وما أن شرعت في الصلاة حتّى رأيت طفلين يركضان نحوي ويصيحان ، وعندما وصلا إليَّ قالا : السائق ينتظرك ، وقد أرسلنا إليك فعجّل ، خفّفت الصلاة والخطى ، ووجدت السائق والركّاب ينتظرون وينظرون إلى الطريق ، اعتذرت لهم وتابعنا المسير . هكذا تعاون السائق معي ، وكتم أمري الركّاب ، وبذل كلّ جهده حتّى أجتزت الحدود العراقية ، كما أجتزت الحدود السورية بلا جواز ، وكم يؤلم وجود الحدود المصطنعة بين أبناء العرب ! حتى أنَّ العربي في يومنا هذا بحاجة إلى جواز سفر ، وسمات دخول ، لينتقل في وطنه العربي الكبير . وأعود إلى السائق الأرمني ، وأقول : إنّه لولاه لربّما عدت حيث كنت واستحال عليّ أن أُحقّق شيئاً من أُمنيتي . ( تجارب محمّد جواد مغنيّة بقلمه : 39 - 42 ) . ( 1 ) لواء الإسكندرونة : لواء سابق في الجزء الشمالي من الساحل السوري ، مركزه مدينة الإسكندرونة ، سلخته تركيا عام 1939 م ، وضمّته إلى أراضيها ، وأطلقت عليه اسم « هاتاي » . ( موسوعة المورد 5 : 209 ) .