توفيق أبو علم
86
السيدة نفيسة رضي الله عنها
إنّ جذب الرداء من أُم سلمة - وقد حاولت أن تكون معهم - لأقوى دليل على عدم الشمول لهنّ في الإطلاق ، وإلّا لأذن النبي صلى الله عليه وآله لها ، ولا سيّما أنّهم في بيتها ، وهي على خير برأي النبي صلى الله عليه وآله . وكما أنّ صريح الحديث أنّ « الخمسة » عليهم السلام كانوا يأكلون ، ثم نزلت الآية في حقّهم ، ولم تُدعَ أُمّ سلمة إلى مشاركتهم في الطعام ، لأنّ مشاركتها لهم في ذلك تشعر بدخولها معهم في « أهل البيت » ، وإذا دخلت فإنّ النساء الباقيات يدخلن بأجمعهنّ ولو كنّ غير موجودات ، لأنّ أُمّ سلمة تعتبر ممثلّة لهنّ ، وهذا خلاف الغرض الذي يرمي إليه تعالى ، ممّا حدا بالرسول الكريم صلى الله عليه وآله على ألّا يدعوها إلى الطعام ، وألّا يدعها تدخل معهم تحت الكساء . ونفهم بالإضافة إلى ما تقدّم : أنّ اللَّه تعالى أنزل آية التطهير في وقتٍ كان الطعام من صنع الزهراء عليها السلام ، وهي إحدى الأفراد الخمسة المعنييّن بالآية الكريمة ، كي لا تكون للنساء أيّ علاقة في الموضوع ، وأيّ مشاركة . ونفهم أيضاً من طلب الرسول الكريم صلى الله عليه وآله إلى بضعته الزهراء أن تدعو بعلها وابنيها : أنّه كان صلى الله عليه وآله على علم بما سينزل اللَّه تعالى في شأنهم من فضل عظيم ، وإلّا فلماذا يدعوهم إلى طعامٍ صُنع في دارهم ؟ ونستشعر من صنع الزهراء للحريرة : أنّ ذلك كان في الظرف الذي استدعى تخيير النساء بين الطلاق والبقاء ، وأنّه صلى الله عليه وآله كان مضرباً عن تناول طعامهنّ أيضاً ، بالإضافة إلى تركهنّ ، الأمر الذي استدعى أن يُجلب الطعام له من دار بضعته الزهراء أُمّ الحسنين عليها السلام . ونفهم من تكرار الحديث : تكرار صنع الطعام وإن كانت الآية الكريمة نزلت بعد صنع الحريرة أول مرّة ، وكلّها كانت من صنع الزهراء سيدة النساء . وقد أذاع النبي الكريم صلى الله عليه وآله هذه الكرامة لأهل بيته ، وأخذ يوطّدها في أذهان الناس ، ويكرّرها كلّما مرّ في صلاة الفجر على « أهل البيت » « 1 » .
--> ( 1 ) فقد روى ابن جرير وابن مردويه عن أبي الحمراء قال : حفظت عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ثمانية أشهر بالمدينة ، ليس من مرّة يخرج إلى صلاة الغداة إلّاأتى إلى باب علي فوضع يده على جنبتي الباب ، ثم قال : الصلاة الصلاة « إنّما يريد اللَّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً » . ورواه الطبراني أيضاً عنه ولفظه : « رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يأتي باب علي وفاطمة ستة أشهر . . . » بل في رواية السيوطي في الدر عن ابن مردويه عن ابن عباس قال : شهدنا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله تسعة أشهر يأتي كلّ يوم بيت علي بن أبي طالب عند وقت كلّ صلاة فيقول : السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته أهل البيت « إنّما يريد اللَّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً » . ويعلّق السيد الطباطبائي صاحب الميزان على هذه النصوص بقوله : والروايات في هذه المعاني من طرق أهل السنّة كثيرة ، وكذا من طريق الشيعة ، ومن أراد الاطّلاع عليها فليراجع غاية المرام للبحراني والعبقات . ( تفسير الميزان : ج 16 ص 319 ) .