توفيق أبو علم

202

السيدة نفيسة رضي الله عنها

* أبو سعيد سحنون ابن سعيد « 1 » ؛ الفقيه المالكي ، واسمه عبد السلام ، وغلب عليه « سحنون » باسم طائرٍ حديد النظر ؛ لحدّته في المسائل . وأصله من حمص ، ورحل إلى مصر فسمع فيها من ابن القاسم وابن وهب وأشهب وغيرهم ، وقد رحل كثيراً ، وهو صاحب « المدوّنة » مفتي القيروان وقاضيه ، وأولّ من أظهر علم المدينة بالمغرب ، وقد اجتمعت فيه خصال قلّما اجتمعت في غيره ، من فقهٍ بارعٍ ، وورع صادق ، وصرامةٍ في الحقّ ، وزهدٍ في الدنيا ، وخشونة في الملبس والمطعم ، وسماحةٍ في العطاء . وكان لا يقبل من أحدٍ شيئاً ، سلطاناً أم غيره ، ولا يهاب سلطاناً في حقٍّ يقوله ، سليم الصدر للمؤمنين ، شديد على أهل البدع . انتشرت أمانته ، وأجمع أهل عصره على تقدّمه وفضله ، وكان مع هذا رقيق القلب ، غزير الدمعة ، ظاهر الخشوع ، متواضعاً ، قليل التصنّع ، كريم الخلق ، حسن الأدب ، فكان سراج القيروان ، وكان كلامه للَّه ، وصمته للَّه ، إذا أعجبه الكلام صمت ، وإذا أعجبه الصمت تكلّم . وقد راوده الأمير أبو العباس أحمد بن الأغلب حولًا كاملًا على أن يولّيه القضاء ، فأبى عليه ، فعزم عليه بالأيمان التي لا يخرج منها ، فلمّا رأى ذلك سحنون اشترط على الأمير شروطاً كثيرةً ، فأعطاه كلّ ما سأل ، وأطلق يده في كلّ ما دعاه إليه ، حتّى قال له : إنّي أبدأ بأهل بيتك وقرابتك وأعوانك ، فإنّ فيكم ظلامات للناس منذ زمان طويل ، فقال له الأمير : نعم ، لا تبتدئ إلّابهم ، وأَجْرِ الحقّ على مفرق رأسي . فتولّى القضاء بهذه الشروط في رمضان سنة أربع وثلاثين ، وقام قاضياً ستّة أعوام ، لم يأخذ على قضائه شيئاً . ويوم أن قَبِل القضاء دخل على ابنته خديجة ، وكانت من الخيِّرات ،

--> ( 1 ) هو عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي ، الملقّب بسحنون ، قاض ، انتهت إليه الرئاسة في العلم في بلادالمغرب ، كان زاهداً ، لايهاب سلطاناً في حقٍّ يقوله . أصله من الشام من حمص ، ومولده في القيروان سنة 160 ه ، ونشأ بها ، وولي القضاء بها سنة 234 ه ، واستمرّ إلى أن مات سنة 240 ه ( قضاة الأندلس : ص 28 ، الأعلام : ج 4 ص 5 ) .