توفيق أبو علم

199

السيدة نفيسة رضي الله عنها

نفيسة رضي اللَّه عنها ، فقال له ما قالت ، فعلم أنّه ميّت ، وأوصى أن تصلّي عليه « 1 » . فلمّا توفّي سنة أربع ومائتين مرّوا به على بيتها ، فصلّت عليه مأمومة ، وكان الذي صلّى بها إماماً أبو يعقوب البويطي « 2 » ؛ أحد أصحابه رضي الله عنه ، وكان مرور جنازة الإمام الشافعي على بيتها بأمر السري أمير مصر ، لأنّها سألته في ذلك ؛ إنفاذاً لوصيّة الإمام الشافعي رضي الله عنه ، لأنّها لم تتمكّن من الخروج إلى جنازته ؛ لضعفها من كثرة العبادة . وقد قال بعض الصالحين ممّن حضر جنازة الشافعي رضي الله عنه : سمعت بعد انقضاء الصلاتين أنّ اللَّه تعالى غفر لكلّ من صلّى على الشافعي بالشافعي ، وغفر للشافعي بصلاة السيّدة نفيسة عليه ، رضي اللَّه تعالى عنهما . وجاء ذكر الشافعي بعد وفاته في مجلس ، فقالت السيّدة نفيسة تمتدحه وتترحّم عليه : رحم اللَّه الشافعي ، فقد كان رجلًا يحسن الوضوء . وقالت عنه أيضاً : كان الإمام الشافعي صبوراً بكلّ ما في الصبر من معنىً ، يتلقّى الشدائد بقلبٍ ثابتٍ ، ويسعى هادئاً ليزيل ما ألمّ به ، معتمداً على اللَّه حقّ الاعتماد ، ومتوكّلًا عليه حقّ التوكّل ، شاكراً ما ابتلاه ، ضارعاً أن يكشف عنه الضرّ ، مستبشراً بأجر من عند اللَّه بقدر ما يتحمّل من آلام ، ويظلّ هكذا دون أدنى ضجر أوملل ، حتّى يزيل اللَّه ما نزل به ، وحينئذٍ يصلّي للَّه‌شاكراً ، فهو عند الابتلاء كان شكوراً ، وعند دفع الضرّ كان من الشاكرين . علماء حول كريمة الدارين : وكان يزورها ويسأل دعاءها وحديثها وقراءتها ، ويتلمس بركاتها :

--> ( 1 ) تحفة الأحباب وبغية الطلّاب : ص 107 ، مجموعة آل بيت النبي في مصر : ص 106 . ( 2 ) هو يوسف بن يحيى ؛ أبو يعقوب المصري البويطي ، من أكبر أصحاب الشافعي من المصريّين ، تفقّه على يديه ، واختصّ بصحبته ، وكان يعتمد عليه في الفتيا ، ويحيل عليه إذا جاءته مسألة . وكان قد استخلفه على أصحابه بعد موته ، فتخرّجت على يديه أئمة تفرّقوا في البلاد . ونسبته إلى « بويط » من أعمال الصعيد الأدنى . ولمّا كانت المحنة في قضية خلق القرآن حُمل إلى بغداد في أيام الواثق العباسي على بغلٍ مقيّداً بسلاسل حديدية ، وأُريد منه القول بأنّ القرآن مخلوق ، فامتنع ، فسجن ببغداد حتّى مات بسجنه سنة 231 ه ( طبقات الشافعية للسبكي : ج 2 ص 162 - 163 ، الأعلام : ج 8 ص 257 ، مناقب الإمام أحمد : ص 397 ) .