توفيق أبو علم
197
السيدة نفيسة رضي الله عنها
للشافعي ظلّ فوق مشاكل الساعة . وحدثت حروب داخلية وخلافات كثيرة ، والشافعي لا يتدخّل في السياسة ، وحلقته تضمّ جوانبها أحياناً على مناقدات الشعراء والفقهاء ، فلم نسمع أنّه تطرّق إلى خلافات الحكّام ، أومسّ ولو بالرأي الحرب التي تدور رحاها قيد خطوات من الجامع العتيق ! والوالي يكرمه ويعظّمه ، ويستمع إلى موعظته : « أنظر من يكون صاحبك فإنّه يحبّك أويبغضك ، وانظر من يكون كاتبك فإنّه يعبرّ عن عقلك الظاهر إلى الناس ، وعفّ عن أموال الناس يكثر شكرهم لك ، وإيّاك والانبساط إلى رعيّتك فتذهب بذلك هيبتك » . ولمّا هبط الإمام الشافعي أرض مصر ومعه تلميذه أبو بكر الحميدي « 1 » ، وسأله بعض الأكابر أن ينزل عنده ، فقال : أُريد أن أنزل عند أخوالي من الأزد - قبيلة أُمّه - فذلك درس في الوفاء تعلّمه على النبي صلى الله عليه وآله عندما هاجر إلى المدينة فنزل عند أخواله بني النجّار . وقصد الشافعي بعد ذلك دار عبداللَّه بن الحكم ، وربّما توشّجت بينه وبين ضيفه الصلات في إبّان دراسات عبداللَّه على مالك وسفيان . وقد قال له عبداللَّه : إذا أردت أن تسكن مصر فليكن لك قوت سنة ومجلس من السلطان تتعزّز به ! ! قال : يا أبا محمد ، من لم تعزّه الدنيا فلا عزّ له ، وقد ولدت بغزّة ، وربيت بالحجاز ، وما عندنا قوت ليلة ، وما بتنا جياعاً قط . عنيت بهذه المقدّمة عن الإمام الشافعي ، لأنّ كلّ زملائه ومريديه والذين رووا عنه هم في الحقيقة من الذين كانوا يكثرون من زيارة السيّدة نفيسة رضي اللَّه عنها ، ويلتمسون منها البركة ، وحين اتّجه الإمام إلى مصر أنشد يقول : لقد أصبحت نفسي تتوق إلى مصر * ومن دونها قَطْعُ المهامهِ والقفر وواللَّه ما أدري إلى الفوز والغنى * أُساقُ إليها أم أُساقُ إلى قبري « 2 »
--> ( 1 ) هو عبداللَّه بن الزبير بن عيسى القرشي الأسدي المكّي ؛ أبو بكر الحُمَيْدي ، أحد الأئمة في الحديث ، روى عنالشافعي ورحل معه إلى مصر وسفيان بن عيينة ، ولزمه حتّى مات ، فعاد إلى مكّة يفتي بها ، وهو شيخ البخاري ، فقد روى عنه 75 حديثاً ، وذكره مسلم في مقدمة كتابه ، وكان رئيس أصحاب ابن عيينة بمكة ، وظلّ فيها إلى أن توفّي سنه 219 ه ( طبقات الشافعية للسبكي : ج 2 ص 140 برقم 31 ، الأعلام : ج 4 ص 87 ) . ( 2 ) روى البيتين أبو بكر ابن بنت الشافعي عن جدّه أنّه حينما أراد الخروج إلى مصر أنشأهما . قال : فخرج فقُطع عليه الطريق ، فدخل بعض المساجد وليس عليه إلّاخرقة ، فدخل الناس وخرجوا فلم يلتفت إليه أحد فقال : عليَّ ثيابٌ لو يُباع جميعها * بفَلْسٍ لكان الفلسُ منهنّ أكثرا وفيهنّ نفسٌ لو يُقاس ببعضها * نفوس الورى كانت أجلّ وأكبرا وما ضرّ نصل السيف إخلاق غِمْده * إذا كان عضباً أين وجّهته فرى راجع : معجم الأدباء لياقوت : ج 17 ص 319 - 320 .