توفيق أبو علم
167
السيدة نفيسة رضي الله عنها
يعطي اللَّه تعالى وليّاً من أوليائه كسرة خبز أوشربة ماء ، أويسخّر له كلباً أوذئباً ، أويطوي له أرضاً ، ويقرّب منه بعيداً ؟ خامساً وأخيراً « 1 » : فإنّ الكرامة مبنية على القوانين العقلية الحكيمة ، فإنّ جوهر الروح ليس من جنس الأجسام الكائنة الفاسدة ، المتعرّضة للتفرّق والتمزّق ، بل هو من جنس جواهر الملائكة وسكّان عالم السماوات ، ونوع القدّيسين المطهّرين ، إلّاأنّه لمّا تعلّق بهذا البدن ، واستغرق في تدبيره ، صارت في ذلك الاستغراق إلى حيث نسي الوطن الأول والمسكن المتقدّم ، وصار بالكلّية متشبّهاً بهذا الجسم الفاسد ، فضعفت قوّته ، وذهبت مكنته ، ولم يقدر على شيء من الأفعال العظيمة . أمّا إذ استأنست بمعرفة اللَّه ومحبّته ، وقلّ انغماسها في تدبير هذا البدن ، وأشرقت عليها أنوار الأرواح السماوية العرشية المقدّسة ، وفاضت عليها من تلك الأنوار أضواؤها القدسية ، قويت على التصرّف في أجسام هذا العالم ، مثل قوّة الأرواح الفلكية على هذه الأعمال ، وذلك هو الكرامات . وفيه لمحة رائعة ، وهو : أنّ الأرواح البشرية مختلفة بالماهية ، ففيها القوية والضعيفة ، وفيها النورانية والحالكة ، وفيها الصافية والكدرة ، وفيها الحرّة والمستعبدة ، وفيها العزيزة والذليلة . والأرواح الفلكية أيضاً كذلك ، ألا ترى إلى جبريل عليه السلام كيف قال اللَّه تعالى في وصفه : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ « 2 » . وقال في قوم آخرين من الملائكة : وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً « 3 » . فكذا هاهنا ، فإذا اتّفق في نفسٍ من النفوس كونها قوية القوة القدسية العنصرية ، مشرقة الجوهر ، علوية الطبيعة ، ثم يضاف إليها أنواع الرياضات التي تزيل عن وجهها غبرة عالم الكون والفساد ، أشرقت وتلألأت وقويت على التصرّف .
--> ( 1 ) كريمة الدارين للأُستاذ أحمد فهمي . ( منه ) ( 2 ) سورة التكوير : 19 - 21 . ( 3 ) سورة النجم : 26 .