توفيق أبو علم

156

السيدة نفيسة رضي الله عنها

شديداً ، وقالت : لا ريب في أنّ دين تلك السيدة الشريفة هو الدين الصحيح ، ودخلت على السيدة في خشوع وخضوع ، وإجلال واحترام ، ووقفت بين يديها تحيّيها ، ثم نطقت بالشهادتين ، وأخلصت للَّه‌ربّ العالمين ، وشكرت للسيّدة صنيعها وجميلها ، وحمدت اللَّه عزّوجلّ على أن أخرجها من الظلمات إلى النور ، وأنقذها من الضلال إلى الهدى « 1 » . ولمّا حضر والد البنت ، وكان من كبار قومه وسراة عشيرته ، ورأى وحيدته وقد تعافت ، فصحّ جسمها ، واستقام عودها ، وذهبت شكاتها ، فأخذته الأريحية واستطاره الفرح ، فأخذ يصفّق ويرقص ، ولم يلبث أن نبّأته أُمّها بخبرها ، وما أحاطها من بركة السيدة الشريفة جارتهم ، فما أن انتهت زوجه من إخباره حتّى رفع بصر ومدّ يده إلى السماء ، وقال : سبحانك ربّنا ، تهدي من تشاء وتضلّ من تشاء ، اللّهمّ إنّي أُشهدك أنّ هذا الدين هو الدين الصحيح ، والدين عند اللَّه الاسلام ، وأنّه لا دين غير الإسلام . ثم توجّه من فوره إلى دار السيّدة نفيسة واستأذنها في الدخول ، فأذنت له ، فكلّمها وهي من وراء حجاب ، وبعد أن حيّاها وشكر لها صنيعها قال : سيّدتي ارحميني وتشفّعي لي ، واشفعي في مَن هو في ضلال الكفر قد تاه ، ومن الدين الحقّ أبعده الكفر وأقصاه ، فرفعت السيّدة نفيسة طرفها إلى السماء ، ودعت اللَّه عزّوجلّ له بالهداية ، فما أن انتهت من دعائها حّتى نطق أبو السرايا بالشهادتين ، وسرى الخبر في تلك الجهة ، فأسلم أهلها ، وكانوا أكثر من سبعين بيتاً من اليهود « 2 » . ثم استأذن أبو السرايا من السيّدة نفيسة أن تنتقل إلى دار له بدرب الكرويين المعروف الآن بالحسينية ، وهذه الدار باقية للآن ، وكذلك الحجرة التي كانت تتعبدّ فيها باقية ، وهي محلّ إجلال وإكبار ، ولا يدخلها إلّامن عهد إليه بنظافتها . وسأعود بعد قليل إلى الكلام عن كرامات السيّدة الصالحة ، على أنّه ما كادت تذاع تلك الكرامة حتّى هرع إليها القوم من جميع الجهات يلتمسون بركاتها ودعواتها ، فتكاثرت الجموع على بابها ، وضاقت بهم الدار بما رحبت ، ففكّرت مليّاً في مغادرة مصر حيث تعود ثانياً إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وآله ، لتقضي بقية عمرها في هدوئها وعبادتها ومناجاة بارئها ، وتلتزم

--> ( 1 ) خطط المقريزي : ج 4 ص 326 ، تحفة الأحباب : ص 105 - 106 ، مجموعة آل بيت النبي : ص 85 . ( 2 ) راجع خطط المقريزي : ج 4 ص 326 .