توفيق أبو علم

151

السيدة نفيسة رضي الله عنها

أخلاقها : كانت رضي اللَّه عنها وأرضاها ، كريمة الخليقة ، شريفة الطبع ، غرّاء المكرمات ، زهراء المأثرات . فقد صاغها اللَّه من معدن كريم ، وأنبتها نباتاً حسناً ، فجمعت خلال الفتوة والمروءة ، فكانت معطاءة فيّاحة ، فيّاضة نفّاحة ، جمّة المبرات ، كثيرة الصلات ، وهي مع هذا زاهدة متقشّفة . أمّا ما برأها اللَّه عليه من عزّة نفس وحمى أنف ، تربأ بنفسها عن مواطن الذلّ والابتذال ، وتتصاون عن الامتهان والهوان ، وهي مع هذا لا يذهب بنفسها زهو وكبرياء ، ولا يخالطها تيه وعجب ، بل كانت متواضعة النفس متطامنة الجانب . سلاسة طبع وسجاحة خُلق ، وبالإجمال : فأخلاقها مقتبسة من أخلاق جدّها المصطفى صلى الله عليه وآله ، وإنّه لعلى خُلق عظيم . وكانت المثل الأعلى في الوفاء لزوجها على وجه الخصوص ، وعرفان حقوقه ، والقيام بواجباته ، وقد ساهمته الإخلاص والودّ ، وقد عرف فيها هذا الخُلق النبيل ، فكان مثال الطاعة لها فيما تسلكه وتنحيه ، فما خالف لها أمراً ، ولا وقف لها في سبيلٍ رغبةً ، بل كان يهيّئ لها ما تبتغيه ، ويسهّل لها ما تريده ، ولم يبخل عليها بشيء من ماله . وكانت عطوفة على أُسرتها ، فها هي تلك بنت أخيها زينب ، وقد لمست في عمّتها العطف ، فتمادت في خدماتها ، ونسيت نفسها في سبيل عمّتها ، فلازمتها وأصبحت كظلّها ، وعافت الزواج لتنفرد بخدمتها ، وتسهر على راحتها ، وتقضي لها حاجتها ، وما رحلة عمّتها نفيسة بنت زيد إلى مصر إلّاشوقاً لبنت أخيها . وكان برّها لخادمتها « جوهرة » ومعاملتها لها أحسن معاملة ، فاشربّ في قلبها حبّها والإخلاص لها ، إلى ما عُرف عنها من إيثار ذويها وبرّهم ممّا جعلها تملك قلوبهم . وكانت كثيرة الخير والبرّ ، تواسي البائسين ، وتسعف الملهوفين ، وتفرّج كرب المكروبين ، وكان لها مال كثير إلى مال زوجها ، تحسن من كلّ أُولئك إلى المرضى والمحتاجين والناس عامةً ، فما كانت تردّ سائلًا ولا تمنع مستجدياً ، وكانت تتعرّف من به حاجة فتقضي حاجته ، سخيّة لكلّ من يتصل بها ، نديّة لكلّ من يلوذ بها ويحوم حول رحابها . وهب لها أحد الأُمراء مائة ألف درهم وقال : خذي هذا المال شكراً للَّه‌تعالى لتوبتي ، فأخذته وصرّته صرراً بين يديها ، وفرّقت الصرر عن آخرها ، وكان عندها بعض النساء ،