محمد عبد الكريم عتوم
84
الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة
استقلالها ، وحريتها ، ويضع أصول الإصلاح الداخلي ، ثم ترسم الحوادث للناس بعد ذلك طرائق التنظيم في ظل الوحدة التي يفرضها الإسلام " . « 1 » ورغم تمسك البنّا ، بالنظام النيابي ، لكنه يرفض أن تكون التعددية الحزبية شرطاً أصيلا فيه " أما في البلاد الإسلامية وفي مصر بالذات ، حيث لا يزال الاستقلال منقوصا فهذه الحزبية تمثل خطراً على مستقبله ، إنها أحزاب استنفذت أغراضها ، ولم يبق لها ما تجتمع عليه غير مصلحة زعمائها ، فهي خاوية من المحتوى والبرنامج ، وترفع نفس الشعارات ، وليس لها من دور سوى تمزيق صف الأمة ، ولذلك لا عجب أن انعقد إجماع عقلاء الأمة على فسادها ، وأن المستفيد الوحيد منها هم المحتلون الغاصبون . . . وإذا فلماذا يفرض على هذا الشعب استمرار هذه الطوائف والشيع التي تسمى الأحزاب السياسية بعد أن عجز المصلحون عن توحيدها ، فلا مناص من أن تحل هذه الأحزاب جميعا وتجمع قوى الأمة في حزب واحد يعمل لاستكمال استقلالها وحريتها " . « 2 » لقد ترك رأي حسن البنا ، أثرا كبيراً على العالم الإسلامي ، خاصة وأن أتباع جماعة الإخوان المسلمين قد نجحوا في الدعوة والانتشار بمختلف أقطار العالم العربي والإسلامي ، حيث نرى أن عدداً من المفكرين لا يزالون يرفضون مبدأ التحزب ، متأثرين برأي البنّا في هذه الناحية ، ومن أبرزهم أبو الأعلى المودودي والشيخ صبحي عبده سعيد ، فقد فُهِمتْ الأحزاب السياسية باعتبارها دعوة للتعصب وتوسيع هوة الانقسام ، في حين أن الإسلام دعوة للوحدة والتعاون . والواقع أن موقف الإمام حسن البنّا كان متأثراً بظروف مصر وحاجتها للوحدة لمقاومة الاحتلال . ومن المهم الإشارة إلى أن موقف حسن البنا من الأحزاب قد صبغ الروح العامة لفترة طويلة لا تزال تلقي بظلالها حتى عصرنا الحاضر ، وأصبح هناك النفور من الأحزاب والاستنكاف التام المطلق من وصف جماعاتهم بأنها أحزاب ، حيث استقر أن الحزبية صفة
--> ( 1 ) - البنا ، مجموعة رسائل ، 376 . ( 2 ) - البنا ، 46 .