محمد عبد الكريم عتوم

78

الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة

وأما شكل الدولة فقد خلت النظرية الإسلامية من تحديد شكل الدولة ، فلا يوجد شكل إسلامي محدد بدقة للدولة ، فنظام الخلافة هو نظام مستحدث ، استحدثته الظروف بعد وفاة الرسول ( ص ) ، وشعور الجماعة الإسلامية ، بضرورة وجود رجل على رأس هذه السلطة ، اصطلح على تسميته في حينها بالخليفة وكان يمكن أن يسمى بتسميةٍ أخرى . ومع ذلك صار هذا المصطلح ذا صفة دينية ، وكأنه نظامٌ وضعه الإسلام أو أمر به النبي ( ص ) ، حتى صار عند بعض المسلمين أمراً مقدساً ، ثم أصبح الخليفة ظل الله في أرضه بعد أن كان رجلًا عادياً ، يخلف الرسول في قيادة الجماعة الإسلامية وتنظيم أمورها . إن عدم ورود تحديد شكل معين للدولة الإسلامية في القرآن والسنة ، ربما ترك مراعاة لأحوال البشر ، وإفساح المجال أمامهم كي يختاروا شكل الحكومة والنظام الذي يناسبهم ، شريطه أن تقوم الدولة بما هو منوطٌ بها من المهام التي ورد ذكرها . لقد كانت دولة المدينة " دولة الرسول " ( ص ) ، فهي دولةً ذات صبغة ثيوقراطية ؛ ذلك أن الرسول إنما كان يحكم بما يأمره به الله وحياً وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى « 1 » . ومع انقطاع الوحي بوفاة الرسول ( ص ) ، بدا أن كل أمرٍ قابل للتعديل ، فالخلفاء بشر عاديون ، ولم يكونوا أنبياء ، وبالتالي أقروا بأنهم يجتهدون فيصيبون ويخطئون ، وطلبوا من الناس تنبيههم إلى مكامن الخطأ ليقوموا على تصويبه . ولطالما كان الإسلام ديناً يتجاوز القومية والوطنية والطبقية وتنصهر فيه كل الأجناس والأوطان ، وأصبح على الدولة أن تتأثر بالتجربة الحضارية للشعوب المسلمة وتستلهم ثقافتها ، وكان ذلك يشمل إثراءً للتجربة السياسية في الإسلام وظهور تعددية واضحة في شكل الحكم المقبول من أيٍ من الشعوب الإسلامية . ويمكن القول إن عدم تحديد شكل معين للدولة ، يستند إلى اعتبار الدولة من المتغيرات ، وليست من الثوابت ، مما يعطي مرونة للأمة بتجديد وتطوير شكل الدولة ، بحيث يتواءم ذلك مع طبيعة المجتمعات الإسلامية ، المتنوعة والمتطورة ، والتحولات التي تمر بها مما يعطي للأمة أو الشعب زمام المبادرة لتحديد شكل الدولة المطلوب والمناسب .

--> ( 1 ) - النجم آية 3 - 4 .