محمد عبد الكريم عتوم
273
الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة
وقد ساد انطباع وترسخ لدى المسلمين عامة " أن الإسلام لا يعرف الحزبية ، وأن القرآن الكريم قد ذمها ، وقد فضل المسلمون مصطلح الجماعة على مصطلح الحزب ، باعتبار أن مفهوم الجماعة من حيث الدلالة أكثر أصالة وتوافقاً وتداولًا في الأدبيات الإسلامية وقد ورد كثيراً في النص الديني في القرآن والسنة " « 1 » . وقد أنسحب هذا الموقف على الشيخ حسن البنا ، زعيم جماعة الإخوان المسلمين ، حيث اتخذ موقفاً سلبياً وحاداً من الأحزاب السياسية ، ويصورها بقوله " لقد انعقد الإجماع على أن الأحزاب المصرية سيئة هذا الوطن الكبرى ، وهي أساس الفساد الاجتماعي الذي نصطلي بناره الآن ، وأنها ليست أحزاباً حقيقية بالمعنى الذي تعرف به الأحزاب في أي بلد من بلاد الدنيا ، فهي ليست أكثر من سلسلة انشقاقات ، أحدثتها خلافات شخصية بين نفر من أبناء هذه الأمة ، اقتضت الظروف في يوم ما أن يتحدثوا باسمها وأن يطالبوا بحقوقها القومية ، كما انعقد الإجماع على أن هذه الأحزاب لا برامج لها ولا مناهج ، ولا خلاف بينها في شيء أبدا إلا في الشخصيات . إن الحكم النيابي في أعرق مواطنه لم يقم على هذه الحزبية المسرفة ، فليس في إنجلترا إلا حزبان هما اللذان يتداولان السلطة ، وتكاد تكون حزبيتهما داخلية بحتة ، وتجمعهما دائماً المسائل القومية المهمة . . وكذلك الحال في أمريكا ، « 2 » ويتوصل حسن البنا بعد عرضه هذا إلى نتيجة مؤداها المطالبة بإلغاء هذه الأحزاب " ، ثم انعكس موقفه هذا على موقف الشيخ أبو الأعلى المودودي ، الذي منع التحزب على أعضاء الهيئة الشورية وذهب أبعد من ذلك في الدستور الإسلامي حيث دعا إلى أنه ينبغي " التخلص من النظام الحزبي الذي يدنس نظام الحكومة بأنواع من العصبية الجاهلية " « 3 » . ويرى الباحث أن موقف حسن البنا ، وجماعة الإخوان المسلمين ، كان موقف ظرفياً خاصاً بظرف الاحتلال الذي كانت تعيشه مصر ، وحاجتها للوحدة لمقاومة الاحتلال ، وكذلك طبيعة الأحزاب التي كانت سائدة في ذلك الوقت في مصر . وقد لاحظنا بعد ذلك تطوراً ملحوظاً في
--> ( 1 ) - ميلاد ، 1999 ، 18 . ( 2 ) - حسن البنا ، 45 - 49 . ( 3 ) - المودودي ، 1953 ، 62 .