محمد عبد الكريم عتوم
253
الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة
إن التطور الإيجابي الذي وصلت إليه المواطنة هو أحد تجليات تطور الفكر السياسي العقلاني التجريبي ، وقد ساهمت عدة عوامل بهذا التطور ، أبرزها حركة الإصلاح الديني وما أعقبها من نهضة وتنوير في الحياة السياسية ، هذا بالإضافة إلى تأثر الفكر التنويري الأوروبي بالمساواة التي أقرتها الشريعة الإسلامية ، حيث جعلت كل أفراد الجماعة السياسية متساوين أمام القضاء « 1 » . إن المواطنة مفهوم حديث ظهر في أوروبا مع ظهور القومية والدولة الوطنية ، حيث انتقل الولاء السياسي من عنصر الدين إلى عنصر الجغرافيا والأرض ، وكان ظهوره على أساس أن المواطنة حق بموجب اكتساب الصفة التي تميز أي جماعة عن غيرها ، وفي المواطنة يكون الأفراد جميعاً متساويين ، وبالتالي فإن استخدامها يكون مقروناً بالسعي إلى المساواة والمطالبة بالعدل والإنصاف بالنسبة لجميع من يحمل جنسية الدولة ، " فهي تحالف بين أناس يتمتعون بالحقوق والواجبات نفسها " . وهي أيضاً " تحالف بين أناس أحرار لا تمييز بينهم في درجة مواطنيتهم وأهليتهم العميقة لممارسة حقوقهم المواطنية بصرف النظر عن درجة إيمانهم التي لا يمكن قياسها وقدرتهم على استلهام المبادئ والتفسيرات السياسية بمفهومها الجديد " « 2 » . ويرى الباحث أن أهمية المواطنة نابعة من أنها تمثل اليوم الرابطة السياسية بين الفرد والدولة ، كما أنها تعكس تصور الجماعة السياسية والتمثيل السياسي ، والحقوق والمكتسبات الفردية ، كما تستبطن تصورات لدور الدولة في مقابل مساحات الهوية الفردية ، وعلاقة الثقافة بالقانون من حيث علاقة القانون بالدين والعرف والأخلاق ، كما تعكس أيضاً صيغ المشاركة في اتخاذ القرار السياسي ، وطبيعة وحدود المسؤولية السياسية . وعلى ضوء ذلك ، يمكن تعريف المواطنة بأنها علاقة الفرد في رغبته في الانتساب والاندغام في جماعة سياسية ، بحيث يكون له جميع الحقوق التي لغيره داخل هذه الجماعة ، بموجب التصنيف والأساس الذي قامت الجماعة على أساسه " ديني ، قومي ، لغوي ، عرقي " ويمكن
--> ( 1 ) - العلواني ، 1995 ، 279 . ( 2 ) - غليون ، 1991 ، 140 .