محمد عبد الكريم عتوم

244

الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة

والقومية . وإذا ما قمنا بمحاولة استقراء القوميات في التاريخ اقتصر على بروز عصبيات قومية ، تتصارع من أجل السيطرة على السلطة . ولم يكن نطاق الدولة يتحدد وفقاً للانتماء القومي لأهل الدولة ، بل بمدى قدرة عصبياتها على استقطاب العصبيات الأخرى في نطاق الامتداد الإسلامي ، وهو ما جرى فعلًا للعصبيات التي أسست دولًا في العالم الإسلامي كالبويهية ، والسلجوقية والمماليك والإيلخانيين ، والصفويين ، والعثمانيين . إن جوهر الإشكالية المطروحة في هذا المجال هو كيفية تقييم الفكر القومي أو الشعور القومي والعاطفة القومية ، وفق المنظور الإسلامي " السني والشيعي " ؟ وهل يحق للفرد المسلم أن يكون له وشائج ارتباط بقوميته وتاريخه ؟ وهو تساؤل مشروع طالما راود المسلمين بمختلف قومياتهم . وهنا لا بد من ملاحظة أن التساهل في استعمال المصطلحات يفتح المجال لخلافات وهمية حول مفهوم القومية ، وحول مفهوم الحركات القومية التي ظهرت في العالم الإسلامي وعلى رأسها حركات القومية العربية . إن القومية هي تعبير عن الانتماء للأمة ، باعتبار الأمة جماعة تتبادل الشعور بالانتماء ، وهو شعور تخلقه مقومات مشتركة ، من أبرزها الثقافة بإجماع العلماء . لكن هذا الانتماء ليس مذهباً ولا فلسفة ، وإنما هو واقعة اجتماعية ونفسية ذات جذور تاريخية . فانتماء الفرد المسلم المصري أو المغربي أو السوري مثلًا للأمة العربية ، إنما هو جزء من حقيقة ارتباطه العضوي بالمجتمع العربي ، والسؤال عن موقع الإسلام من هذا الارتباط لا معنى له لأنه حالة طبيعية اجتماعية محايدة ، شأنها شأن غيرها من الحالات الاجتماعية المحايدة « 1 » . وعلى هذا النسق فإن ما يجده الفرد من تعلق في أسرته أو قبيلته وعشيرته أو أمته ، هو من قبيل المشاعر النفسية الغريزية . فالرسول ( ص ) عليه وسلم قد لاقى من مكة وأهلها في بداية دعوته كثيراً من الأذى والصدود ، ومع ذلك نجده يحن إليها وإلى جبالها ووديانها قبيل هجرته ويخاطبها قائلًا " والله إنك لأحب أرض الله إليّ " ، دون أن يجد في هذا الحنين ما يخدش كمال إسلامه أو ينال من مكانته . وعلى هذا الأساس فالشعور القومي وسائر القوميات باعتبارها

--> ( 1 ) - هادي خسر وشاهي ، 1998 ، 194 .