محمد عبد الكريم عتوم
240
الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة
في السياسة والثقافة والاجتماع والاقتصاد ، وقبل ذلك في العقيدة والسلوك . ويرى أحد فقهاء الشيعة الإمامية المعاصرين أن مفهوم وحدة الأمة الإسلامية ، يجب اعتباره من الأصول وليس من الفروع ويجب إخراجها من دائرة علم الكلام إلى دائرة الفقه ، ووضع باب فقهي خاص له ، لأن بقاء علم الكلام فاعلًا يبعد الوحدة بين السنة والشيعة ، وكذلك بين سائر الفرق الأخرى ، طالما أنهم يخضعون مقدساتهم لعلم الكلام « 1 » . إن الاعتقاد السائد في الثقافة العربية بأن العرب أمة بالمعنى الحديث - تكونت قبل الإسلام ، وأن الإسلام نفسه ليس إلا أحد تجليات روح الأمة العربية ، يعني أن المفهوم يقوم على القبلية وليس على العقيدة ، وهو انحراف في إدراك مفهوم الأمة ، ويؤدي إلى أن تكون الأمة محكومة بالتجزئة ، كما هو اليوم ، في ظل مؤثرات القطرية والمذهبية والقومية . إن الأمة في عصرنا الحاضر هي المعنية بإقامة المدينة الفاضلة ، قبل الفقيه وقبل الفيلسوف ، فهي صاحبة الولاية على نفسها ، وهي مصدر السلطات لتشريع ما يناسبها ، فيما لم ينزل به تشريع ، وذلك استناداً للآية الكريمة الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ « 2 » . التي تسمح للأمة أن تتولى السلطة وتمارسها من خلال إنشاء مؤسسات إدارية وأجهزة تنفيذية . كما أن ثبوت هذه الولاية للأمة في عصر غيبة المعصوم لا يتنافى مع ثبوت سلطة التشريع الاجتهادي للفقيه بما هو فقيه في عصر الغيبة . فالأمة هي صاحبة الولاية في عصر الغيبة ولها ولاية أصيلة ، وتقوم بمنح هذه الولاية بالبيعة والانتخاب لمن تشاء ، سواء للفقيه أو غيره من أبناء الأمة . والله عز وجل يربط في كتابه العزيز مفهوم الخلافة ومهمة الاستخلاف بالأمة والجماعة ، وهذا له دلالات بالغة على طبيعية الدور السياسي والتاريخي المناط بالأمة ، لأنه يعني أن مهمة القيادة والإمامة هي مهمة الأمة الإسلامية وأنها هي محل التكليف الشرعي وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً « 3 » . وقوله تعالى : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا
--> ( 1 ) - شمس الدين ، 1998 . ( 2 ) - التوبة ، آية 7 . ( 3 ) - البقرة ، آية 142 .